في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتداخل الجغرافيا القاسية مع الأزمات السياسية والانقسامات العرقية، برزت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” خلال السنوات الأخيرة كلاعب مسلح غيّر موازين القوى في مالي والدول المجاورة.
فالجماعة التي وُلدت من اندماج عدة تنظيمات مرتبطة بتنظيم القاعدة لم تعد مجرد فصيل محلي، بل تحولت إلى شبكة نفوذ عسكرية قادرة على شن هجمات واسعة وفرض معادلات جديدة على الأرض، وصولًا إلى تهديد مباشر لسلطة الدولة في العاصمة باماكو ومناطق الشمال والوسط.
هذا التحول لم يكن مفاجئًا بالكامل، لكنه جاء نتيجة تراكمات من الصراعات المحلية، وضعف الدولة، وتبدل تحالفات معقدة بين أطراف متناقضة أيديولوجيًا وسياسيًا.
تأسست جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في عام 2017 بعد اندماج عدد من الفصائل المسلحة التي كانت تنشط بشكل منفصل في شمال مالي ومحيط الساحل. وضمت هذه الفصائل قيادات بارزة ذات خلفيات مختلفة، بينها حركات جهادية وأخرى ذات امتدادات قبلية وعرقية، ما جعل من الجماعة كيانًا هجينيًا أكثر من كونها تنظيمًا موحدًا.

هذا الاندماج لم ينهِ التباينات الداخلية، بل أعاد تشكيلها داخل إطار واحد، حيث حافظت كل مجموعة على جزء من نفوذها المحلي، في حين تولى القيادة العامة شخصيات ذات خبرة طويلة في الصراعات المسلحة داخل المنطقة.
ومع مرور الوقت، تمكنت الجماعة من توسيع نطاق عملياتها، مستفيدة من ضعف التنسيق الأمني بين دول الساحل، وتراجع الوجود الدولي في بعض المناطق.
شهدت مالي في 25 أبريل هجومًا واسع النطاق نفذته الجماعة بالتعاون مع أطراف محلية مسلحة، واستهدف عدة مدن ومناطق استراتيجية في الشمال والوسط، إضافة إلى محاولات للتوغل في محيط العاصمة باماكو.
هذا الهجوم لم يكن مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل حمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة، إذ سعت الجماعة من خلاله إلى إثبات قدرتها على التنسيق الميداني في أكثر من جبهة في وقت واحد، وهو ما اعتُبر تطورًا نوعيًا في أسلوب عملها.
ورغم إعلانها تحقيق تقدم في بعض المناطق، فإن مصادر عسكرية محلية أشارت إلى أن جزءًا من الهجمات تم احتواؤه، خصوصًا في محيط العاصمة، ما يعكس استمرار حالة التجاذب العسكري دون حسم نهائي.
أحد أبرز التطورات التي رافقت الهجوم الأخير كان إعلان الجماعة عن تنسيق عملياتي مع فصائل انفصالية من الطوارق، في خطوة غير مسبوقة على مستوى الخطاب العلني.

هذا التقارب بين طرفين يختلفان أيديولوجيًا وسياسيًا أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الإقليمية والدولية، خاصة أن العلاقة بين الحركات الانفصالية والجماعات الجهادية كانت دائمًا متوترة ومليئة بالشكوك.
ورغم أن بعض هذه التحالفات كانت تُطرح سابقًا في إطار التكهنات، فإن الاعتراف بها بشكل جزئي يعكس تحولًا في البراغماتية السياسية للجماعة، التي باتت تركز أكثر على تحقيق أهداف ميدانية بدلاً من الالتزام الصارم بخطاب أيديولوجي تقليدي.

على عكس التصورات التقليدية عن الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، يبدو أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أعادت صياغة خطابها خلال السنوات الأخيرة، لتنتقل من التركيز على “الجهاد العالمي” إلى خطاب أكثر ارتباطًا بالمظالم المحلية في دول الساحل.
ففي بياناتها الأخيرة، ركزت الجماعة على قضايا الفساد، ووجود القوات الأجنبية، والتدخلات الخارجية، إضافة إلى انتقاد الأنظمة الحاكمة في المنطقة. كما دعت إلى إقامة نظام سياسي بديل قائم على الشريعة، دون الدخول في تفاصيل خطاب أممي واسع كما كان في السابق.
هذا التحول الخطابي يعكس محاولة لاستقطاب حاضنة محلية أوسع، بدل الاكتفاء بقاعدة أيديولوجية محدودة.
تمتد عمليات الجماعة اليوم عبر عدة دول في منطقة الساحل، أبرزها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع تسجيل نشاطات متفرقة في مناطق حدودية داخل بنين وتوغو.
وتعد بوركينا فاسو من أكثر الساحات التي شهدت نشاطًا مكثفًا للجماعة خلال الفترة الأخيرة، قبل أن تعود مالي لتتصدر المشهد مجددًا مع تصاعد الهجمات وتكتيك الحصار الاقتصادي عبر استهداف طرق الإمداد.
وفي بعض المناطق، لجأت الجماعة إلى استهداف شحنات الوقود وقطع الطرق التجارية، ما أدى إلى شلل جزئي في حركة الإمدادات وارتفاع الضغط على الحكومات المحلية.
الصراع في مالي لم يعد محصورًا داخل حدود الدولة، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية معقدة تشمل قوى دولية وإقليمية، وتداخل مصالح متعددة.
وجود أطراف أجنبية في المشهد العسكري، إلى جانب الانقسامات الداخلية، جعل من الصعب الوصول إلى تسوية شاملة، خاصة مع استمرار تعدد الفاعلين المسلحين على الأرض.
كما أن التنافس بين الجماعات المسلحة نفسها، بما في ذلك الصراع مع تنظيمات أخرى منافسة، يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد الأمني.
رغم التقدم الميداني الذي تحققه الجماعة بين الحين والآخر، فإن المشهد لا يزال غير محسوم. فالتغيرات المستمرة في التحالفات، وتراجع بعض العمليات في فترات معينة، تشير إلى أن القوة التي تتمتع بها الجماعة ليست مستقرة بالكامل.
لكن المؤكد أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تعد مجرد فصيل مسلح هامشي، بل أصبحت طرفًا رئيسيًا في معادلة الصراع في الساحل الإفريقي، قادرًا على التأثير في مسارات سياسية وأمنية تمتد خارج حدود مالي نفسها.