حوض النيل

متطوعون في السودان يوثقون قتلى الحرب بحثًا عن هوياتهم

الإثنين 27 أبريل 2026 - 04:27 م
هايدي سيد
الأمصار

يواصل متطوعون سودانيون جهودًا إنسانية شاقة في ظل الحرب المستمرة في جمهورية السودان، حيث يعملون على توثيق جثامين القتلى مجهولي الهوية وحفظ بياناتهم، في محاولة للحفاظ على كرامة الضحايا ومساعدة العائلات في العثور على ذويها المفقودين بعد سنوات من القتال العنيف.

وفي قلب العاصمة السودانية الخرطوم، يقود المواطن السوداني علي جباي، وهو مهندس سوداني، مبادرة إنسانية تعتمد على جمع بيانات تفصيلية عن القتلى الذين لم يتم التعرف عليهم، حيث قام بإعداد جدول بيانات ضخم يتضمن صور الجثامين ومواقع دفنها، على أمل أن تتمكن العائلات المكلومة من الوصول إلى معلومات عن أقاربها الذين فقدوا خلال الحرب.

ويقول جباي إنه وفريقه يعملون على تصوير كل جثمان يتم العثور عليه، مع تفتيش الملابس بحثًا عن أي وثيقة أو علامة قد تساعد في تحديد هوية القتيل. كما يتم وضع علامات واضحة على القبور عند الدفن، لتسهيل العودة إليها لاحقًا في حال تم التعرف على هوية صاحبها. 

وقبل إتمام عملية الدفن، ينتظر الفريق لمدة تصل إلى 72 ساعة بعد نشر صور الضحايا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على أمل أن يتعرف عليهم أحد أفراد عائلاتهم.

وتشير بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الحرب الدائرة في جمهورية السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي دخلت عامها الرابع، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، إلى جانب تسجيل ما لا يقل عن 11 ألف مفقود، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في المنطقة.

وقال نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان، المسؤول الدولي خوسيه لويس بوزو جيل، إن حجم المأساة الإنسانية كبير للغاية، مؤكدًا أن حالة الغموض التي يعيشها أهالي المفقودين تترك أثرًا نفسيًا عميقًا على المجتمع، خاصة في ظل عدم معرفة مصير الكثير من الضحايا.

ويروي المتطوع السوداني علي جباي أن شوارع الخرطوم شهدت خلال ذروة المعارك مشاهد مأساوية، حيث انتشرت الجثث في الطرقات نتيجة شدة الاشتباكات، ما دفعه وفريقه إلى البدء في عمليات الدفن الطوعي خوفًا من تحلل الجثامين في العراء، مؤكدًا أن هدف المبادرة منذ بدايتها كان التعامل مع جثث مجهولي الهوية بطريقة إنسانية تحفظ كرامتهم.

وفي إحدى الغرف الصغيرة داخل أحد المستشفيات في مدينة أم درمان بولاية الخرطوم في جمهورية السودان، يستخدم الفريق غرفة محدودة الإمكانيات كمشرحة مؤقتة، حيث يتم الاحتفاظ بالجثامين في ظل ضعف الإمكانيات وقلة وسائل التبريد، ما يعكس حجم التحديات التي يواجهها العاملون في هذا المجال.

وتشير تقديرات العاملين في المجال الإنساني إلى أن إجمالي عدد ضحايا الحرب خلال السنوات الأربع الماضية قد يصل إلى نحو 200 ألف قتيل، في ظل غياب إحصاءات دقيقة بسبب صعوبة التنقل وانهيار العديد من المؤسسات الرسمية. كما تضررت معظم المشارح والمرافق الطبية في العاصمة السودانية، ما أدى إلى تكدس الجثث وتعطل عمليات التوثيق الرسمية.

وأوضح مدير الطب العدلي في وزارة الصحة السودانية، المسؤول السوداني هشام زين العابدين، أن المشارح في العاصمة كانت تعاني من ضغط كبير حتى قبل اندلاع الحرب، لكنها خرجت عن الخدمة بشكل شبه كامل بعد تدميرها أو نهبها خلال الاشتباكات.

وأضاف أن بعض المشارح تُركت فيها الجثث دون تبريد لفترات طويلة بسبب انقطاع الكهرباء، ما أدى إلى تحلل العديد منها.

ويعمل الفريق الطبي والإنساني الذي يشرف عليه زين العابدين على استخراج الجثث المنتشرة في الشوارع ومجاري المياه وحتى في نهر النيل داخل جمهورية السودان، في محاولة للحد من المخاطر الصحية وانتشار الأوبئة. 

كما اضطرت آلاف العائلات إلى دفن موتاها في قبور مؤقتة وضحلة بالقرب من المنازل أو في الساحات العامة، نتيجة استمرار الاشتباكات وصعوبة الوصول إلى المقابر الرسمية.

ولا يقتصر المشهد الإنساني الصعب على العاصمة الخرطوم فقط، بل يمتد إلى مناطق أخرى داخل جمهورية السودان، مثل إقليم دارفور وولاية الجزيرة ومنطقة كردفان، حيث تشير تقارير ميدانية إلى وجود آثار لعمليات قتل واسعة النطاق، إضافة إلى العثور على جثامين ملقاة في قنوات الري ومناطق نائية.

ومنذ إعلان الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم قبل عام، تمكنت السلطات من استخراج نحو 28 ألف جثة كانت مدفونة في مقابر مؤقتة، وفقًا لتصريحات مدير الطب العدلي في وزارة الصحة السودانية هشام زين العابدين. وقد تمكنت بعض العائلات من التعرف على جثامين ذويها، بينما لا يزال عدد كبير من الجثث مجهول الهوية.

وتحتفظ السلطات بعينات من الشعر والعظام من بعض الجثامين، على أمل التعرف عليها مستقبلًا في حال توفرت تقنيات تحليل الحمض النووي، رغم أن جمهورية السودان لا تمتلك حاليًا مختبرات متخصصة لإجراء مثل هذه الفحوصات.

ورغم قسوة المشاهد اليومية التي يواجهها، يحاول المتطوع السوداني علي جباي الحفاظ على تماسكه النفسي أثناء أداء عمله، إلا أن مشاعر الحزن تسيطر عليه في بعض الأحيان، خاصة عندما يتذكر قصص عائلات ظلت تبحث عن أحبائها لفترات طويلة، قبل أن تكتشف مصيرهم المأساوي.

ويروي جباي قصة شاب ظل يبحث لأكثر من عام عن والده وعمه، قبل أن ينهار عندما علم بمقتلهما خلال الأيام الأولى من اندلاع الحرب، لكنه أصبح على الأقل قادرًا على زيارة قبريهما بعد التعرف على هويتهما.