في مشهد سياسي غير مسبوق منذ سنوات، دخلت إسرائيل مرحلة مبكرة من الاستعداد لانتخابات عامة يُتوقع أن تكون الأكثر سخونة منذ عقد، مع إعلان تشكيل قائمة مشتركة للمعارضة بقيادة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، في خطوة تهدف صراحة إلى إزاحة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو من السلطة.
وهذه الخطوة، التي وُصفت في الإعلام الإسرائيلي بـ"الزلزال السياسي"، لا تعكس مجرد تحالف انتخابي عابر، بل تشير إلى إعادة تشكيل عميقة في موازين القوى داخل الساحة السياسية، مع محاولة واضحة لتوحيد صفوف المعارضة التي عانت طويلاً من الانقسام والتشتت.
ومع اقتراب موعد الانتخابات المتوقع في أكتوبر المقبل، تبدو إسرائيل أمام اختبار سياسي حاسم قد يحدد ملامح المرحلة القادمة، ليس فقط على مستوى القيادة، بل أيضًا على مستوى التوجهات السياسية والاستراتيجية للدولة.

جاء الإعلان الأبرز بتوحيد حزبي “بينيت 2026” و”هناك مستقبل” في قائمة مشتركة، يقودها نفتالي بينيت، بينما يحتل زعيم المعارضة يائير لابيد المرتبة الثانية.
ويهدف هذا التحالف إلى إنهاء حالة التشرذم داخل المعارضة، والتي كانت أحد أبرز أسباب فشلها في مواجهة نتنياهو خلال الانتخابات السابقة.
كما تم طرح إمكانية انضمام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت، الذي قد يحتل موقعًا متقدمًا في القائمة، ما يعزز من ثقلها السياسي والعسكري.
ويُنظر إلى هذا التحالف على أنه محاولة لبناء جبهة واسعة تضم أطيافًا متعددة من اليمين والوسط، بهدف تحقيق أغلبية برلمانية قادرة على تشكيل حكومة جديدة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير بين حزب بينيت وحزب الليكود بقيادة نتنياهو، حيث يحصل كل منهما على نحو 24 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.
لكن الأهم من ذلك هو أن أحزاب المعارضة، مجتمعة، قد تصل إلى 61 مقعدًا، وهي الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة.
هذا الرقم، وإن كان نظريًا، يعكس تحولًا مهمًا في المزاج العام، ويمنح المعارضة فرصة حقيقية لإنهاء حكم نتنياهو الذي استمر لسنوات طويلة.
لطالما واجهت المعارضة الإسرائيلية مشكلة غياب القيادة الموحدة، حيث تنافس عدة شخصيات على زعامة المعسكر المعارض دون التوصل إلى توافق واضح.
لكن الاتفاق على قيادة بينيت للقائمة المشتركة يمثل حلاً لهذه الإشكالية، خاصة أنه يُنظر إليه كشخصية قادرة على جذب أصوات من اليمين والوسط في آن واحد.
ويُعد هذا التحول استجابة مباشرة لواقع سياسي فرضته السنوات الماضية، حيث أثبتت التجربة أن الانقسام الداخلي يضعف فرص المعارضة في مواجهة نتنياهو.
ويواجه نتنياهو هذه المرة تحديات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب قوة التحالف المعارض، بل أيضًا بسبب طبيعة التحالف الذي يقوده داخل الحكومة.
ويضم هذا التحالف أحزابًا يمينية متطرفة، من بينها:
هذا التحالف، رغم قوته، يواجه انتقادات داخلية وخارجية، ما قد يؤثر على حظوظه في الانتخابات المقبلة.
يستحضر كثير من المراقبين تجربة عام 2021، عندما نجح تحالف واسع في تشكيل حكومة بقيادة بينيت ويائير لابيد، بعد أربع جولات انتخابية متتالية.
وضم ذلك التحالف أحزابًا من مختلف التيارات، بما في ذلك أحزاب عربية، في سابقة تاريخية.
لكن هذه المرة، يبدو أن المعارضة لا ترغب في الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة، ما يعكس تغيرًا في الحسابات السياسية.
إلى جانب تحالف بينيت-لابيد، تضم المعارضة مجموعة من الأحزاب الأخرى، منها:
هذا التنوع يمنح المعارضة قاعدة أوسع، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بإدارة الاختلافات الأيديولوجية.
احتل خبر توحيد المعارضة صدارة عناوين وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث وصفت القناة 12 الخطوة بأنها “زلزال سياسي”.
كما اعتبرت صحيفة “معاريف” أن هذا التحالف يمثل فرصة حقيقية للفوز في “أهم انتخابات في تاريخ الدولة”، فيما رأت “يديعوت أحرونوت” أن الهدف الرئيسي هو إنهاء الانقسامات الداخلية والتركيز على الفوز.
هذه التغطية تعكس حجم التأثير الذي أحدثه الإعلان، ومدى أهميته في إعادة تشكيل المشهد السياسي.
لا تقتصر أهمية هذه الانتخابات على تغيير القيادة، بل تمتد إلى تحديد اتجاهات السياسة الإسرائيلية في عدة ملفات، من بينها:
ويُنظر إلى هذه الانتخابات على أنها استفتاء على سياسات نتنياهو، خاصة في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها إسرائيل.
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور عدة سيناريوهات:
في حال نجحت المعارضة في تحقيق الأغلبية، قد نشهد تشكيل حكومة جديدة بقيادة بينيت، ما يعني نهاية حقبة نتنياهو.
إذا تمكن الليكود وحلفاؤه من الحفاظ على الأغلبية، سيستمر نتنياهو في الحكم.
قد تؤدي النتائج المتقاربة إلى عدم القدرة على تشكيل حكومة، ما يفتح الباب أمام انتخابات جديدة.
رغم الزخم الذي يحظى به تحالف المعارضة، إلا أنه يواجه عدة تحديات، من بينها:
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو إسرائيل أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتنافس مشروعان سياسيان مختلفان على قيادة البلاد.
وفي حين يسعى نتنياهو للحفاظ على موقعه، تحاول المعارضة تقديم بديل موحد قادر على إحداث تغيير.
وبين هذين المسارين، يبقى القرار بيد الناخب الإسرائيلي، الذي سيحدد من خلال صوته مستقبل المشهد السياسي في واحدة من أكثر الدول تعقيدًا في المنطقة.