المغرب العربي

خبير اقتصادي ليبي يحذر من مخاطر تضخم تهدد الاستقرار المالي

السبت 25 أبريل 2026 - 06:34 م
هايدي سيد
الأمصار

أطلق الخبير الاقتصادي الليبي محسن الدريجة تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الاقتصاد في ، مشيرًا إلى أن البلاد تمر بمرحلة دقيقة قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية كبيرة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة لضبط الإنفاق العام والسيطرة على عرض النقود داخل النظام المصرفي.

وأوضح الدريجة، في قراءة تحليلية نشرها عبر منصاته الرقمية، أن اتخذ خلال العام الماضي خطوات مهمة، أبرزها التوسع في استخدام بطاقات الدفع الإلكتروني، وهو إجراء كان محل مطالبات طويلة من خبراء الاقتصاد والمواطنين على حد سواء. وأشار إلى أن هذا التوسع جاء بالتزامن مع تفاقم أزمة السيولة النقدية، خاصة بعد سحب بعض الفئات الورقية من التداول، مثل فئات العشرين والخمسين والخمسة دنانير.

وبيّن الخبير الاقتصادي الليبي أن انتشار وسائل الدفع الإلكتروني ساهم في زيادة اعتماد المواطنين على عمليات البيع والشراء دون الحاجة للنقد الورقي، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل تحولًا مهمًا في طبيعة المعاملات المالية داخل ليبيا، رغم تأخر تطبيقها على نطاق واسع لسنوات. 

كما أوضح أن هذا التحول أتاح للمصارف استعادة جزء كبير من الأموال التي كانت خارج الدورة المصرفية، وهو ما أدى إلى ارتفاع حجم السيولة داخل البنوك وخارجها، وهو ما يعرف اقتصاديًا بـ"عرض النقود".

 

وأشار الدريجة إلى أن ارتفاع عرض النقود أدى بدوره إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ارتفاع سعر الصرف، خاصة في ظل استمرار بعض القطاعات في الاعتماد على النقد الورقي، مثل محطات الوقود وبعض أنشطة العمالة الوافدة.

وفي سياق متصل، لفت الخبير الاقتصادي الليبي إلى أن حالة من الارتياح سادت الأسواق بعد ارتفاع أسعار النفط عالميًا، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب على إيران، إضافة إلى وصول شحنات من الدولار النقدي وزيادة مبيعات العملة الأجنبية للأغراض الشخصية. وأوضح أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تراجع سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات قريبة مما كانت عليه قبل خمسة أشهر، وتحديدًا خلال شهر نوفمبر من عام 2025.

وأكد أن تقارب سعر الصرف الرسمي مع السعر الموازي يسهم في تخفيف أزمة السيولة، إذ يؤدي انخفاض سعر الدولار إلى زيادة توافره داخل السوق، ما يشجع المواطنين على إعادة جزء من النقد الورقي إلى المصارف، وهو ما يعزز من حالة الثقة لدى الجمهور ويخفف من المخاوف المرتبطة بالوضع المعيشي.

وتناول الدريجة ثلاثة عوامل رئيسية يرى أنها ستحدد مسار سعر الصرف في ليبيا خلال المرحلة المقبلة. ويتمثل العامل الأول في أسعار النفط، حيث أوضح أن ليبيا التي تنتج نحو 1.4 مليون برميل يوميًا تحتاج إلى سعر يتجاوز 80 دولارًا للبرميل لتغطية الالتزامات المالية الأساسية، وعلى رأسها بند المرتبات والدعم وبعض المصروفات التشغيلية.

أما العامل الثاني، فيتعلق بضبط مستوى الإنفاق العام، إذ شدد على أن تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي من شأنه الحد من عمليات إعادة تصدير السلع، وهي عمليات تعتمد على استغلال فروقات سعر الصرف لتحقيق أرباح كبيرة، وصلت في بعض الفترات إلى نحو 50%. وأوضح أن هذه الممارسات تشجع على استيراد كميات تفوق احتياجات السوق المحلي، ما يزيد من الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي.

وفيما يخص العامل الثالث، أشار الدريجة إلى أن عرض النقود داخل الاقتصاد الليبي تجاوز حاجز 200 مليار دينار، من بينها نحو 59 مليار دينار على شكل عملة ورقية، بينما تمثل بقية المبلغ ودائع مصرفية. وأكد أن هذه الكتلة النقدية الضخمة تزيد من الطلب على العملات الأجنبية بمعدلات تفوق قدرة المصرف المركزي على تلبية الطلب بالسعر الرسمي، خاصة في حال استمرار ارتفاع مستويات الإنفاق العام أو زيادة حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وشدد الخبير الاقتصادي الليبي على ضرورة وقف نمو عرض النقود والعمل على تقليصه تدريجيًا، مؤكدًا أن تحقيق ذلك يتطلب التزامًا صارمًا بسياسات مالية أكثر انضباطًا، وعلى رأسها الحد من الإنفاق غير الضروري.

وفي تحليل إضافي، تناول الدريجة تأثير طباعة نقود جديدة على الأسعار، موضحًا أن زيادة الكتلة النقدية دون وجود زيادة موازية في الإنتاج تؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع الأسعار. وأوضح أن النقود في الاقتصاد تدور بين الأفراد والمؤسسات، ولا يمكن زيادتها بشكل آمن إلا في حال وجود توسع حقيقي في الإنتاج، سواء في قطاع النفط أو الزراعة أو غيرهما من القطاعات الإنتاجية.

وبيّن أن زيادة النقود دون زيادة الإنتاج تعني أن كمية أكبر من العملة المحلية ستتجه نحو كمية محدودة من السلع، وفي الحالة الليبية تحديدًا، فإن ذلك يعني زيادة الطلب على الدولار مقابل كمية ثابتة منه، نظرًا لاعتماد الاقتصاد الليبي بشكل كبير على الاستيراد لتوفير احتياجات السوق.

وأشار إلى أن الرواتب الشهرية في ليبيا، التي تقدر بنحو 6 مليارات دينار، تدخل إلى الدورة الاقتصادية ثم تعود في شكل طلب على السلع المستوردة، ما يؤدي في النهاية إلى تحويلها إلى عملات أجنبية وعودتها إلى المصرف المركزي، الأمر الذي يبقي عرض النقود قريبًا من مستوياته السابقة.

وأوضح أنه في حال طباعة 6 مليارات دينار إضافية لتغطية نقص السيولة، فإن عرض النقود سيرتفع إلى نحو 65 مليار دينار نقدًا، مع بقاء الودائع المصرفية عند مستوياتها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب دون وجود زيادة مماثلة في الإنتاج، ما يخلق ضغوطًا تضخمية واضحة على الاقتصاد.

ويأتي هذا التحذير في وقت يواجه فيه الاقتصاد في ليبيا تحديات متواصلة منذ سنوات، أبرزها تقلبات سعر الصرف وتعدد وسائل الدفع، إلى جانب الاعتماد الكبير على النقد الأجنبي لتمويل الواردات. وتظل السياسة النقدية وإدارة عرض النقود من أهم الملفات التي يسعى مصرف ليبيا المركزي إلى معالجتها لضمان تحقيق الاستقرار المالي وتعزيز الثقة في النظام المصرفي خلال المرحلة المقبلة.