دراسات وأبحاث

بين الضفة وغزة.. انتخابات مفصلية في ظل غياب «حماس» عن المشهد

السبت 25 أبريل 2026 - 02:58 م
جهاد جميل
الأمصار

شهدت الأراضي الفلسطينية، صباح السبت، حدثاً سياسياً لافتاً مع انطلاق أول انتخابات بلدية منذ اندلاع الحرب الأخيرة في قطاع غزة، في مشهد يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد اختيار مجالس محلية، ليُعد بمثابة اختبار سياسي وإداري في ظل واقع استثنائي معقّد.

 وبين الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، توجّه مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع، وسط غياب لافت لحركة «حماس»، التي شكّلت لاعباً رئيسياً في المشهد السياسي الفلسطيني خلال العقود الماضية.

انطلاقة انتخابية في ظروف استثنائية

فتحت مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة السابعة صباحاً بتوقيت القدس، لتستقبل الناخبين حتى ساعات المساء، في عملية انتخابية تُعد الأولى منذ الحرب التي خلّفت دماراً واسعاً في قطاع غزة وأثّرت بشكل مباشر على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية. 

وبحسب لجنة الانتخابات المركزية، يحق لنحو 1.5 مليون ناخب في الضفة الغربية المشاركة، إلى جانب نحو 70 ألف ناخب في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة، وهي المنطقة الوحيدة في القطاع التي شملتها هذه الانتخابات.

تأتي هذه الانتخابات في سياق معقّد، حيث تسعى السلطة الفلسطينية إلى إعادة تفعيل العملية الديمقراطية رغم التحديات الميدانية والسياسية، في محاولة لإظهار قدر من الاستقرار المؤسسي واستمرار عمل الهياكل المحلية.

غياب «حماس» يطغى على المشهد

أبرز ما ميّز هذه الانتخابات هو الغياب الكامل للقوائم المرتبطة بحركة «حماس»، التي حكمت قطاع غزة منذ عام 2007. 

واقتصرت المنافسة في معظم المناطق على قوائم مدعومة من حركة «فتح» وأخرى مستقلة، بعضها يضم مرشحين من فصائل مختلفة مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

هذا الغياب يطرح تساؤلات حول طبيعة التوازنات السياسية المقبلة، ومدى قدرة هذه الانتخابات على عكس التمثيل الحقيقي لمختلف التيارات الفلسطينية.

 كما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدلالات المشهد السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.

تنافس محدود وتشكيك في الجدوى

في العديد من المدن، بدت المنافسة محدودة، سواء بسبب هيمنة قوائم بعينها أو ضعف ثقة الشارع في جدوى العملية الانتخابية. 

وفي هذا السياق، عبّر عدد من المواطنين عن شكوكهم في قدرة هذه الانتخابات على إحداث تغيير ملموس.

ففي مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، التي تعيش تحت ضغط عسكري مستمر، يرى بعض السكان أن الواقع السياسي والأمني يحدّ من تأثير المجالس البلدية المنتخبة.

 ويعتبرون أن السلطة الفعلية على الأرض لا تزال بعيدة عن أيدي المؤسسات المحلية، ما يقلل من أهمية نتائج الاقتراع.

فوز بالتزكية في بعض المدن

في مدن رئيسية مثل نابلس ورام الله، لم تشهد الانتخابات منافسة تُذكر، حيث تقدّمت قائمة واحدة فقط في كل مدينة، ما أدى إلى فوزها بالتزكية دون الحاجة إلى إجراء تصويت. 

ويعكس هذا الوضع حالة من العزوف أو التوافق السياسي المسبق، وهو ما قد يُضعف من حيوية العملية الديمقراطية ويحدّ من تنوع التمثيل.

غزة: تجربة محدودة في دير البلح

في قطاع غزة، اقتصر إجراء الانتخابات على منطقة دير البلح، في خطوة وُصفت بأنها «تجريبية».

 ويُعزى اختيار هذه المنطقة إلى كونها من أقل المناطق تضرراً من النزوح خلال الحرب، ما يجعلها بيئة أكثر ملاءمة لتنظيم عملية انتخابية.

ويرى محللون أن هذه الخطوة تمثّل اختباراً لقدرة السلطة الفلسطينية على تنظيم انتخابات في القطاع، في ظل غياب بيانات حديثة حول توجهات الناخبين، وانعدام استطلاعات الرأي بعد الحرب.

تحديات لوجستية وأمنية

واجهت العملية الانتخابية تحديات كبيرة، خاصة في قطاع غزة، حيث أدى انقطاع الكهرباء إلى تعديل مواعيد إغلاق صناديق الاقتراع لتسهيل عملية الفرز خلال ساعات النهار. 

كما استعانت لجنة الانتخابات بعاملين من منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى التعاقد مع شركة أمن خاصة لتأمين مراكز الاقتراع.

هذه الإجراءات تعكس حجم التحديات التي تواجه أي عملية تنظيمية في بيئة متضررة من الحرب، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع اللوجستية بشكل معقّد.

إشادة دولية حذرة

على الصعيد الدولي، لاقت الانتخابات إشادة منسق الأمم المتحدة، الذي وصفها بأنها «عملية ذات مصداقية»، مشيراً إلى أنها تمثّل فرصة للفلسطينيين لممارسة حقوقهم الديمقراطية رغم الظروف الصعبة. 

ومع ذلك، تبقى هذه الإشادة مشروطة بمدى قدرة هذه الانتخابات على تحقيق نتائج ملموسة تعزز من ثقة المواطنين في مؤسساتهم.

أصوات جديدة وآمال محدودة

رغم التحديات، أبدى بعض الناخبين، خاصة من فئة الشباب، حماساً للمشاركة. فبالنسبة للبعض، تمثّل هذه الانتخابات فرصة لإثبات الوجود السياسي في ظل واقع صعب، ورسالة بأن الحياة الديمقراطية يمكن أن تستمر حتى في أحلك الظروف.

وتعبّر هذه المشاركة عن رغبة في التمسك بالحقوق السياسية، حتى وإن كانت النتائج غير مضمونة أو التأثير محدوداً.

بين الرمزية والواقع

في المحصلة، تبدو هذه الانتخابات أقرب إلى اختبار رمزي منها إلى تحول سياسي جذري. 

فهي تعكس محاولة لإعادة تفعيل الحياة الديمقراطية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن عمق التحديات التي تواجه النظام السياسي الفلسطيني، سواء على مستوى الانقسام الداخلي أو الظروف الميدانية.

وبينما تظل النتائج النهائية رهينة التوازنات المحلية، فإن الأهم هو ما إذا كانت هذه الخطوة ستُمهّد لمرحلة جديدة من المشاركة السياسية، أم أنها ستبقى مجرد محطة عابرة في سياق معقّد لم يُحسم بعد.

تأتي هذه الانتخابات في لحظة مفصلية، حيث تتقاطع فيها الرغبة في الاستمرار مع واقع مليء بالتحديات. وبين غياب فصائل رئيسية، وضعف المنافسة في بعض المناطق، وتحديات ميدانية كبيرة، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذه العملية على إحداث فرق حقيقي في حياة الفلسطينيين، أو على الأقل إعادة الثقة في أدوات العمل الديمقراطي.