طرحت بعثة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مبادرة جديدة تحت مسمى «المجموعة المصغّرة»، في محاولة لتحريك الجمود الذي يهيمن على المشهد السياسي في ليبيا، وذلك في ظل استمرار تعثر تنفيذ خريطة الطريق السياسية وتزايد الخلافات بين الأطراف الليبية المختلفة.
وجاءت هذه الخطوة خلال إحاطة قدمتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي، حيث حملت الإحاطة رسائل متعددة تضمنت تحذيرات واضحة من استمرار حالة الجمود السياسي، إلى جانب دعوات متكررة للالتزام بالمسارات التوافقية القائمة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من احتمالات اللجوء إلى خيارات بديلة قد تُفرض خارج إطار التوافق الداخلي.
وأعلنت المبعوثة الأممية بدء التواصل مع مجموعة مصغّرة من الفاعلين السياسيين الليبيين، معتبرة أن هذه الآلية قد تمثل مدخلاً عمليًا لتهيئة الظروف أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأولى والثانية من خريطة الطريق السياسية. إلا أنها أقرت في الوقت ذاته بوجود تحفظات محلية على هذه الخطوة، وهو ما يعكس حجم الحساسية التي تحيط بالمشهد السياسي، وعمق الخلافات حول طبيعة العملية السياسية ومن يتولى قيادتها.
ولم تقتصر الإحاطة الأممية على عرض تفاصيل المبادرة الجديدة، بل تضمنت تحذيرًا صريحًا من إمكانية اللجوء إلى مسارات بديلة في حال استمرار تعثر الجهود الحالية، حيث أكدت المبعوثة أنها قد تعود إلى مجلس الأمن الدولي بمقترحات جديدة تستند إلى الاتفاقات السياسية القائمة، في إشارة إلى احتمالات إعادة صياغة العملية السياسية بما يتجاوز حالة الجمود الراهنة.
وفي هذا السياق، شددت المبعوثة الأممية على أن استمرار العمل وفق النهج الحالي أو إنشاء هياكل موازية من شأنه أن يمنح شرعية ضمنية لحالة الانقسام السياسي، ويقوض الجهود المبذولة لتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، وهو تحذير يتقاطع مع انتقادات وجهتها أطراف سياسية ليبية للبعثة نفسها، متهمة إياها بالسير في اتجاه إنشاء أجسام موازية خارج الأطر المتفق عليها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، سلطت الإحاطة الأممية الضوء على التحديات المتزايدة التي يواجهها الاقتصاد الليبي، حيث حذرت المبعوثة من ضغوط متصاعدة على العملة المحلية، إلى جانب ارتفاع مستويات الأسعار، فضلًا عن وجود إنفاق حكومي وصفته بالمبهم. واستندت في ذلك إلى تقارير دولية أشارت إلى وجود ما يعرف بـ«الاقتصاد السياسي المشوه»، حيث يتم استخدام عائدات النفط كأداة للصراع بين الأطراف المختلفة، وهو ما يعكس تعقيد الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالانقسام السياسي.
وفي الشأن السياسي الداخلي، تناولت المبعوثة الأممية التعيينات الحكومية الأخيرة التي أجراها رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، مشددة على ضرورة التزام هذه التعيينات بأحكام الاتفاقات السياسية السابقة، إذا ما أريد لها أن تسهم في تحقيق هدف توحيد المؤسسات الليبية، وهو موقف يعكس حرص البعثة على ضمان توافق أي خطوات تنفيذية مع الإطار السياسي العام.
كما أبدت المبعوثة الأممية قلقًا واضحًا بشأن استمرار انقسام السلطة القضائية في ليبيا، ووجود مجلسين قضائيين متوازيين، محذرة من التداعيات المحتملة لهذا الانقسام على وحدة البلاد، وعلى القدرة المستقبلية في إدارة النزاعات الانتخابية، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات التي قد تعرقل تنظيم انتخابات وطنية شاملة خلال المرحلة المقبلة.

وعلى المستوى الأمني، حذرت المبعوثة من استمرار تدفق الأسلحة وتجدد الاشتباكات في بعض مدن المنطقة الغربية الليبية، رغم إشادتها بالتدريبات العسكرية المشتركة التي جرت في مدينة سرت الليبية بين قوات الشرق والغرب، معتبرة هذه التدريبات خطوة إيجابية نحو بناء الثقة بين الأطراف العسكرية، لكنها غير كافية بمفردها لضمان تحقيق استقرار دائم داخل البلاد.
وفي المقابل، شهدت هذه الطروحات الأممية تباينًا في ردود الفعل داخل ليبيا، حيث رحب المجلس الرئاسي الليبي بما ورد في الإحاطة، مؤكدًا دعمه للمسار الأممي، ومشددًا على أهمية الوصول إلى انتخابات وطنية شاملة تستند إلى قوانين توافقية، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات موازية خارج الأطر القانونية المعتمدة.
وعلى النقيض من ذلك، صعّد المجلس الأعلى للدولة الليبي من لهجته تجاه المبادرة، معلنًا تجميد عضوية أي عضو يشارك في حوارات غير مفوض بها، وموجهًا انتقادات مباشرة للبعثة الأممية، متهمًا إياها بتجاوز دورها كميسر للحوار والسير نحو فرض مسارات بديلة، وهو ما يعكس حجم التوتر بين بعض المؤسسات الليبية والبعثة الأممية.
كما برزت انتقادات إضافية لآلية «المجموعة المصغّرة»، حيث اعتبرها بعض الفاعلين السياسيين محاولة لمنح شرعية للقوى المسيطرة على الأرض، على حساب المؤسسات المنتخبة، وهو ما أعاد إلى الواجهة الجدل القديم حول العلاقة بين الشرعية القانونية وواقع القوة داخل المشهد السياسي الليبي.
وتعكس هذه التطورات استمرار تعقيد الأزمة السياسية في ليبيا، في ظل تشابك المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية، ما يجعل نجاح أي مبادرة جديدة مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى توافقات حقيقية تدعم استقرار البلاد وتمهد الطريق نحو إجراء انتخابات وطنية شاملة تنهي سنوات الانقسام.