المغرب العربي

تونس تطالب بمراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي

الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 05:44 م
هايدي سيد
الأمصار

أثار طلب الرئيس قيس سعيد، رئيس الجمهورية التونسية، مراجعة اتفاقية الشراكة الشاملة مع الاتحاد الأوروبي اهتمامًا واسعًا على المستويين السياسي والاقتصادي، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين تونس وشركائها الأوروبيين بما يحقق توازنًا أكبر في المصالح المشتركة.

وجاءت دعوة الرئيس التونسي خلال اتصال هاتفي جرى في العشرين من مارس الماضي مع الرئيس إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، حيث شدد سعيد على ضرورة مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ليكون أكثر توازنًا وعدالة، بما يخدم المصالح الوطنية التونسية ويعزز فرص التنمية الاقتصادية.

وترتبط الجمهورية التونسية بعدد من اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، أبرزها اتفاقية الشراكة الموقعة عام 1995، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1998، وأسست لإقامة منطقة تبادل حر بين الجانبين، كما تم توقيع مذكرة تفاهم حول شراكة استراتيجية وشاملة في يوليو 2023، تضمنت تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة ومكافحة الهجرة غير النظامية، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية لتونس.

ورغم أهمية هذه الاتفاقيات، يرى الجانب التونسي أن بعض بنودها لم تعد تلبي احتياجات المرحلة الحالية، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها المنطقة والعالم خلال العقود الماضية، وهو ما دفع إلى المطالبة بإعادة النظر في هذه الاتفاقيات بما يتلاءم مع الواقع الجديد.

وأوضح الخبير السياسي التونسي كمال بن يونس أن هناك إرادة سياسية متزايدة داخل تونس لمراجعة ملفات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن هذه المطالب ليست جديدة، بل سبق أن طرحها دبلوماسيون وخبراء تونسيون منذ سنوات، في ظل اختلاف أولويات بروكسل ودول جنوب البحر المتوسط.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يركز بشكل أساسي على القضايا الأمنية وملفات الهجرة غير النظامية، في حين تسعى تونس ودول جنوب المتوسط إلى إعطاء الأولوية للتعاون الاقتصادي والتنمية، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير القانونية، وعلى رأسها البطالة وضعف فرص العمل.

كما أشار الخبراء إلى أن تراجع الدعم المالي الأوروبي لبعض دول الجوار، ومن بينها تونس، يعود جزئيًا إلى انشغال الدول الأوروبية بتمويل مشاركتها في الحرب الأوكرانية واستقبال اللاجئين، وهو ما انعكس على حجم المساعدات الموجهة لبرامج التنمية في دول جنوب المتوسط.

من جانبه، أكد محمود بن مبروك، أمين عام حزب “المسار” في الجمهورية التونسية، أن مراجعة الاتفاقية أصبحت أمرًا ملحًا، معتبرًا أن بعض بنود الشراكة الحالية أدت إلى فرض نمط اقتصادي معين على السوق التونسية، في الوقت الذي تستفيد فيه بعض الدول الأوروبية من الموارد الطبيعية التونسية بأسعار منخفضة، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق عوائد أكبر.

وأشار إلى أن مراجعة الاتفاقية يجب أن تتم بالتراضي بين الطرفين، نظرًا لوجود بنود قانونية تتعلق بالتعويضات أو العقوبات، محذرًا من أن أي تعديل أحادي الجانب قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية، من بينها احتمال تقليص إمدادات بعض المواد الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد التونسي.

وفي سياق متصل، لفت عدد من المسؤولين والخبراء إلى أن تونس تسعى في الوقت نفسه إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية، خاصة مع دول الشرق وآسيا، بما في ذلك جمهورية الصين الشعبية، في إطار توجه يهدف إلى تقليل الاعتماد على الشركاء الأوروبيين وفتح أسواق جديدة للصادرات التونسية، مثل التمور وزيت الزيتون والفوسفات.

ويرى دبلوماسيون أن مراجعة اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أمر طبيعي بعد مرور سنوات طويلة على توقيعها، خاصة مع تغير موازين القوى الاقتصادية وتطور طبيعة العلاقات الدولية، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطًا بقدرة الجمهورية التونسية على التفاوض وفق مصالحها الوطنية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها الاستراتيجية مع أوروبا التي تظل الشريك الاقتصادي الأول للبلاد.

ويأتي هذا التحرك في ظل وضع اقتصادي صعب تمر به تونس، يتمثل في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع بعض المؤشرات الاقتصادية، ما يجعل أي قرار متعلق بإعادة النظر في الاتفاقيات الدولية خطوة حساسة تتطلب دراسة دقيقة، لتجنب أي تأثيرات سلبية على الاقتصاد الوطني أو على التحويلات المالية التي يرسلها التونسيون المقيمون في الدول الأوروبية، والتي تمثل مصدرًا مهمًا من مصادر العملة الأجنبية للبلاد.