دراسات وأبحاث

جنوب لبنان منطقة نار.. إسرائيل تصعد ضد حزب الله وتعيد رسم قواعد الاشتباك

الخميس 16 أبريل 2026 - 12:17 ص
جهاد جميل
الأمصار

في تطور خطير يعكس تصاعد التوتر على الجبهة الشمالية لإسرائيل، أعلن الجيش الإسرائيلي تحويل جنوب لبنان إلى ما وصفه بـ«منطقة إطلاق نار فتاك»، في خطوة تعكس انتقال المواجهة مع حزب الله إلى مرحلة أكثر حدة واتساعًا، وسط استمرار العمليات العسكرية منذ اندلاع الحرب الإقليمية في فبراير الماضي.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه المشهد اللبناني–الإسرائيلي واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ سنوات، مع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل العمق اللبناني، وتزايد المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت الجبهة لسنوات طويلة.

وبينما تؤكد إسرائيل أنها تمضي في «إضعاف حزب الله وعزله»، يرى مراقبون أن ما يجري على الأرض يمثل إعادة رسم شاملة لقواعد الصراع في الجنوب اللبناني، بما قد يغيّر مستقبل التوازنات في المنطقة بالكامل.

إعلان إسرائيلي صادم: «جنوب لبنان منطقة قتل مفتوحة»

وفق بيان عسكري إسرائيلي صدر الأربعاء، تلقى الجيش أوامر مباشرة باستهداف أي عنصر تابع لحزب الله في المنطقة الممتدة من الحدود اللبنانية الإسرائيلية وحتى نهر الليطاني، أي بعمق يصل إلى نحو 30 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية.

وخلال جولة ميدانية في جنوب لبنان، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إن القوات الإسرائيلية «تعمل على جعل جنوب لبنان حتى الليطاني منطقة إطلاق نار فتاك على أي مقاتل في حزب الله»، في إشارة واضحة إلى تغيير جذري في قواعد الاشتباك.

وأضاف زامير أن الجيش الإسرائيلي «يتقدم ويضرب حزب الله بينما يتراجع الحزب»، مشيرًا إلى أن العمليات العسكرية أسفرت منذ بداية الحرب عن مقتل أكثر من 1700 عنصر من الحزب، وفق تقديرات الجيش الإسرائيلي.

وتعكس هذه التصريحات تحولًا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية على الجبهة الشمالية، حيث لم تعد العمليات تقتصر على الردع أو الاستهداف المحدود، بل باتت تتجه نحو خلق منطقة عازلة نارية شبه دائمة.

جنوب لبنان تحت النار: من ساحة اشتباك إلى منطقة عمليات مفتوحة

وتشهد مناطق جنوب لبنان منذ أسابيع تصعيدًا غير مسبوق، مع استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية والتوغل البري في بعض النقاط الحدودية، حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان الجاري.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إسرائيل توسع نطاق عملياتها بشكل تدريجي، مستهدفة مواقع تقول إنها تابعة لحزب الله، بما في ذلك مخازن أسلحة وبنى تحتية عسكرية، إلى جانب تحركات ميدانية في القرى القريبة من الحدود.

وفي المقابل، يواصل حزب الله الرد عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه شمال إسرائيل، في محاولة للحفاظ على ما يعتبره «معادلة الردع»، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها خلال الأشهر الماضية.

ويبدو أن جنوب لبنان تحول فعليًا إلى منطقة عمليات مفتوحة، حيث تتداخل الضربات الجوية والمدفعية مع الاشتباكات المحدودة على الأرض، في مشهد يعيد إلى الأذهان مراحل سابقة من الصراع ولكن بوتيرة أشد كثافة وخطورة.

حزب الله تحت الضغط: خسائر متصاعدة ومعادلة صعبة

تؤكد التصريحات الإسرائيلية أن حزب الله تعرض لضربات قوية منذ بدء الحرب، حيث تشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى مقتل أكثر من 1700 من عناصره، إضافة إلى تدمير مواقع وبنى عسكرية متعددة.

ورغم أن الحزب لم يصدر أرقامًا رسمية دقيقة بشأن خسائره، إلا أن المؤشرات الميدانية توضح أن قدراته العسكرية في الجنوب تعرضت لاستنزاف كبير، خاصة في شبكات القيادة الميدانية والانتشار اللوجستي.

وفي المقابل، يسعى حزب الله إلى الحفاظ على حضوره العسكري عبر تكتيكات تعتمد على العمليات المتقطعة والردود المحدودة، لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون كلفتها أكبر بكثير من قدرته الحالية على التحمل.

وتشير تقديرات محللين إلى أن الحزب يواجه معادلة معقدة بين الحفاظ على صورته كقوة ردع داخل لبنان، وبين تجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل في ظل التفوق الجوي والتقني الإسرائيلي.

أبعاد سياسية: محادثات واشنطن وتغيير قواعد اللعبة

تأتي التطورات العسكرية الأخيرة بالتزامن مع ما وصفته إسرائيل بـ«فرصة تاريخية» أعقبت محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، والتي تناولت مستقبل النفوذ السياسي والعسكري لحزب الله داخل لبنان.

وترى الحكومة الإسرائيلية أن هذه المحادثات قد تمثل نقطة تحول في مسار الصراع، خاصة إذا ما تم الدفع نحو تقليص دور الحزب في المعادلة اللبنانية الداخلية، أو إعادة صياغة ترتيبات الأمن على الحدود الجنوبية.

وفي المقابل، ينظر أطراف لبنانيون إلى هذه التحركات باعتبارها محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدة من الضغط العسكري المستمر لتحقيق مكاسب سياسية لاحقًا.

وبين هذا وذاك، يبقى لبنان في قلب صراع إقليمي معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية الداخلية والإقليمية.

من حرب غزة إلى جبهة لبنان: توسع رقعة المواجهة

منذ اندلاع الحرب الإقليمية في فبراير الماضي، لم تعد المواجهة محصورة في ساحة واحدة، بل امتدت تدريجيًا لتشمل عدة جبهات، أبرزها الجبهة اللبنانية التي تحولت إلى محور أساسي في الصراع بين إسرائيل ومحور إيران في المنطقة.

وبدأت المواجهات على الحدود اللبنانية بشكل محدود، قبل أن تتوسع تدريجيًا لتشمل قصفًا متبادلًا وعمليات عسكرية أكثر تعقيدًا، وصولًا إلى التوغل البري الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية.

ويرى مراقبون أن هذا التوسع يعكس استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تفكيك شبكة الدعم الإقليمي لحزب الله، عبر الضغط المباشر على نقاط تمركزه الأساسية في الجنوب اللبناني.

موقف لبنان: بين الضغوط الداخلية والتصعيد الخارجي

يجد لبنان نفسه في موقف شديد التعقيد، في ظل استمرار العمليات العسكرية على أراضيه، وانعكاسات ذلك على الوضع الداخلي الهش سياسيًا واقتصاديًا.

وتحاول الحكومة اللبنانية في الوقت ذاته تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي، وسط انقسام داخلي حول كيفية التعامل مع ملف حزب الله ودوره العسكري.

كما تتزايد الضغوط الدولية على بيروت للانخراط في مسار تفاوضي يهدف إلى تهدئة الوضع على الحدود، إلا أن استمرار التصعيد العسكري يعرقل أي جهود دبلوماسية حتى الآن.

إسرائيل وإعادة صياغة الردع: استراتيجية «الأرض المحروقة المحدودة»

تشير التحركات الإسرائيلية إلى تبني نهج عسكري أكثر صرامة في الجنوب اللبناني، يقوم على فكرة خلق «منطقة نار» تمنع أي تمركز عسكري لحزب الله قرب الحدود.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على تكثيف الضربات الجوية والمدفعية، إلى جانب عمليات استخباراتية دقيقة تستهدف قيادات ميدانية ومواقع لوجستية.

ويرى محللون أن هذا النهج يهدف إلى تقليل قدرة حزب الله على شن هجمات عبر الحدود، وإعادة تشكيل ميزان الردع لصالح إسرائيل في الجبهة الشمالية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة: إلى أين تتجه الجبهة الشمالية؟

أمام هذا التصعيد المتسارع، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الوضع في جنوب لبنان:

1. استمرار التصعيد المحدود

قد تستمر المواجهات الحالية ضمن نطاق محدود دون الوصول إلى حرب شاملة، مع بقاء الاشتباكات المتقطعة والضربات الجوية.

2. توسع العمليات العسكرية

في حال فشل الردع المتبادل، قد تتوسع العمليات لتشمل عمقًا أكبر داخل لبنان، وربما مناطق خارج الجنوب.

3. حرب شاملة

وهو السيناريو الأخطر، ويتمثل في اندلاع مواجهة واسعة بين إسرائيل وحزب الله تشمل كامل الأراضي اللبنانية وربما جبهات إقليمية أخرى.

التداعيات الإقليمية: لبنان في قلب العاصفة

لا تقتصر تداعيات التصعيد على لبنان وإسرائيل فقط، بل تمتد لتشمل كامل المنطقة، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين جبهات الصراع في الشرق الأوسط.

فأي تصعيد كبير في الجنوب اللبناني قد يؤدي إلى تدخل أطراف إقليمية أخرى، ويعيد خلط أوراق الصراع القائم منذ أشهر، خاصة مع استمرار التوتر في جبهات أخرى.

كما أن استمرار العمليات العسكرية قد يفاقم الأزمات الاقتصادية في لبنان، ويزيد من الضغوط الإنسانية على المدنيين في المناطق الحدودية.

ويبدو أن إعلان إسرائيل تحويل جنوب لبنان إلى «منطقة إطلاق نار فتاك» يمثل مرحلة جديدة وأكثر خطورة في مسار الصراع مع حزب الله، حيث تتراجع الدبلوماسية أمام منطق القوة، وتتوسع رقعة المواجهة بشكل ينذر بانفجار أكبر.

وبين تصعيد عسكري متواصل وضغوط سياسية متزايدة، يبقى مستقبل الجبهة الشمالية مفتوحًا على جميع الاحتمالات، من تهدئة هشّة إلى حرب شاملة قد تعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة بأكملها.