دراسات وأبحاث

الأوضاع في السودان.. تفاصيل المؤتمر الدولي في برلين لحل الأزمة السودانية

الأربعاء 15 أبريل 2026 - 11:53 ص
هايدي سيد
الأمصار

تستضيف العاصمة الألمانية برلين، في 15 أبريل 2026، مؤتمراً دولياً مهماً حول الأزمة السودانية، وذلك في ذكرى مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، وسط تحركات دولية متزايدة تهدف إلى دعم المسار الإنساني والسياسي في البلاد، وتعزيز دور القوى المدنية في رسم مستقبل المرحلة الانتقالية.


ويأتي هذا المؤتمر الذي تستضيفه ألمانيا بمشاركة واسعة من أطراف دولية وإقليمية، في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، نتيجة استمرار الصراع المسلح بين الأطراف المتنازعة، وما خلفه من انهيار واسع في الخدمات الأساسية، وتفاقم أوضاع النازحين وانعدام الأمن الغذائي في مناطق متعددة.


مشاركة دولية واسعة وتركيز على المدنيين


يشهد مؤتمر برلين مشاركة ممثلين عن الأمم المتحدة، إضافة إلى منظمات إقليمية ودولية، إلى جانب وفود من المجتمع المدني السوداني، ومنظمات غير حكومية، ودول مجاورة للسودان، فضلاً عن دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وجهات مانحة دولية.


وبحسب مصادر ألمانية، فإن الهدف الأساسي من المؤتمر هو الدفع باتجاه تعزيز الجهود الإنسانية وتنسيق المساعدات الدولية، إلى جانب توفير مساحة أوسع للقوى المدنية السودانية للمشاركة في صياغة رؤية مستقبلية لوقف الحرب وبناء مسار سياسي مدني مستدام.


كما يركز المؤتمر على دعم الحوار بين المكونات المدنية في السودان، من أجل بلورة تصور مشترك لمرحلة انتقالية تقود إلى نظام حكم شرعي قائم على أسس ديمقراطية، بعيداً عن هيمنة القوى المسلحة.


امتداد لمؤتمرات دولية سابقة


يأتي مؤتمر برلين كامتداد لسلسلة من المؤتمرات الدولية السابقة المتعلقة بالسودان، أبرزها مؤتمر باريس 2024 ومؤتمر لندن 2025، حيث تسعى الأطراف الدولية، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إلى تعزيز التنسيق في ملف الأزمة السودانية، وتوحيد الجهود الإنسانية والسياسية.


وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن المؤتمر يمثل محاولة لإعادة إحياء الزخم الدولي تجاه السودان، خصوصاً في ظل تراجع التمويل المخصص لخطة الاستجابة الإنسانية، إلى جانب تعقيد المشهد الميداني والسياسي داخل البلاد.


الأزمة الإنسانية في السودان بالأرقام


تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن السودان يعيش واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية على مستوى العالم حالياً، حيث يحتاج ما بين 25 إلى 33 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة.


كما تجاوز عدد النازحين داخلياً وخارجياً 12 إلى 13.6 مليون شخص، ما يجعلها أكبر أزمة نزوح على مستوى العالم في الوقت الراهن، وفق تقديرات دولية.


وفي سياق متصل، يعاني ما بين 21 إلى 29 مليون شخص من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع دخول بعض المناطق بالفعل مرحلة المجاعة، ووجود مئات الآلاف على حافة خطر الموت جوعاً، في ظل تدهور البنية التحتية الصحية والخدمية.


فجوة تمويلية وتراجع الدعم الدولي


تواجه الجهود الإنسانية في السودان فجوة تمويلية كبيرة، إذ لم يتم تمويل سوى نحو 40% من خطة الاستجابة الإنسانية خلال العام الماضي، ما ترك عجزاً يقدر بنحو 2.2 مليار يورو، بحسب بيانات أوروبية.


كما تسببت التخفيضات في ميزانيات المساعدات الإنسانية لدى عدد من الدول المانحة في تفاقم الأزمة، حيث خفضت ألمانيا، باعتبارها الدولة المضيفة لمؤتمر برلين، مخصصاتها للمساعدات الإنسانية العالمية بأكثر من النصف منذ عام 2025، وهو ما أثار قلقاً واسعاً داخل الأوساط الإنسانية والدبلوماسية.


المسار المدني في قلب النقاشات


يركز مؤتمر برلين بشكل أساسي على دعم ما يسمى بـ"المسار المدني" في السودان، حيث يمنح مساحة للممثلين المدنيين السودانيين للتشاور حول آليات إنهاء الحرب، وتأسيس بنية سياسية جديدة قائمة على التوافق الوطني.


ويرى خبراء في الشؤون الأفريقية أن أهمية المؤتمر لا تكمن في تحقيق اختراق سياسي فوري بين الأطراف المتحاربة، بل في محاولة إعادة تعريف المسار السياسي عبر بوابة المدنيين، بعيداً عن مراكز النفوذ العسكري.


ويؤكد محللون أن تعزيز دور القوى المدنية قد يكون خطوة أساسية نحو بناء إطار تفاوضي جديد، خاصة في ظل تعثر المبادرات السابقة التي ركزت بشكل أساسي على الأطراف المسلحة.


دور الاتحاد الأوروبي والأطراف الإقليمية


تلعب دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الاتحاد الأفريقي، دوراً محورياً في دعم مؤتمر برلين، في محاولة لتنسيق المواقف الدولية تجاه الأزمة السودانية.


كما تشارك دول الجوار السوداني في النقاشات، نظراً لتأثير الأزمة المباشر على أمن واستقرار المنطقة، خاصة مع تدفق موجات النزوح إلى دول مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا.


وتسعى الأطراف المشاركة إلى بلورة آلية مشتركة لضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية، إلى جانب دعم أي جهود سياسية تهدف إلى وقف إطلاق النار.


جدل حول المشاركة السياسية


أثار عدم توجيه دعوات لبعض القوى المرتبطة بالجيش السوداني أو التي توصف بأنها قريبة من التيار الإسلامي، جدلاً سياسياً واسعاً، حيث اتهمت بعض الجهات تلك الخطوة بأنها إقصاء سياسي.


في المقابل، تؤكد مصادر مشاركة في المؤتمر أن الهدف هو التركيز على القوى المدنية التي تدعم مسار السلام، وليس الأطراف المتورطة في الصراع المسلح، مشيرة إلى أن المؤتمر ليس منصة تفاوض مباشر، بل إطار لدعم الحلول الإنسانية والسياسية غير العسكرية.


كما يرى محللون سودانيون أن بعض الأطراف التي ترفض المشاركة في مثل هذه المؤتمرات تسعى للحفاظ على مكاسب ميدانية، ما قد يعقد فرص الوصول إلى تسوية شاملة في المدى القريب.


تحذيرات من استمرار الأزمة


يحذر خبراء دوليون من أن استمرار الحرب في السودان دون حل سياسي شامل قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الإنساني، وتوسع رقعة المجاعة والنزوح، مما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.


كما يشيرون إلى أن غياب توافق دولي فعال قد يحد من قدرة المجتمع الدولي على فرض حلول مستدامة، في ظل تباين المصالح بين القوى الكبرى.
 


يمثل مؤتمر برلين حول السودان محاولة جديدة لإعادة إحياء المسار الدولي تجاه الأزمة، عبر التركيز على البعد الإنساني وتعزيز دور القوى المدنية في مستقبل البلاد.

 وبينما تتباين التوقعات بشأن نتائجه، يبقى المؤتمر خطوة ضمن سلسلة جهود دولية متواصلة تهدف إلى إنهاء واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم.


في ظل هذا المشهد المعقد، تظل الأنظار موجهة إلى ما إذا كان مؤتمر برلين سيتمكن من إحداث تحول حقيقي في مسار الأزمة السودانية، أم سيظل مجرد محطة إضافية في مسار طويل من المبادرات الدولية غير المكتملة.