دراسات وأبحاث

الشرق الأوسط على صفيح ساخن.. هل تنجح أمريكا في فرض حصار على إيران؟

الثلاثاء 14 أبريل 2026 - 12:21 ص
هايدي سيد
الأمصار

بعد مرور ستة أسابيع على اندلاع المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت الأزمة مرحلة جديدة تُعد الأكثر حساسية وخطورة، عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكليف البحرية الأمريكية بتنفيذ واحدة من أعقد العمليات العسكرية في الصراع، تتمثل في فرض حصار بحري شامل على إيران، إلى جانب تطهير مضيق هرمز من الألغام البحرية التي يُعتقد أن طهران قامت بزرعها خلال الأسابيع الماضية.


ووفقًا لتقارير إعلامية أمريكية، فإن هذه العملية العسكرية تُعد خطوة استراتيجية تهدف إلى تقويض قدرة إيران على التأثير في الملاحة الدولية، خصوصًا في هذا الممر البحري الحيوي الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.


بدء تنفيذ الحصار البحري على الموانئ الإيرانية


أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن الحصار البحري دخل حيز التنفيذ رسميًا اعتبارًا من الساعة العاشرة صباح يوم الإثنين بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ليشمل جميع الموانئ الإيرانية الواقعة داخل مضيق هرمز وخارجه.


وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن نطاق العملية قد يتوسع خلال الفترة المقبلة ليشمل مناطق إضافية خارج الخليج العربي، مشددًا على أن البحرية الأمريكية ستعمل على تفتيش السفن في المياه الدولية، واعتقال أي سفينة يُشتبه في دفعها رسومًا غير قانونية لإيران مقابل العبور.


ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس تشهده المنطقة، حيث تتزايد المخاوف الدولية من تعطل حركة الملاحة في المضيق، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات واسعة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.


تقنيات متقدمة لمكافحة الألغام البحرية


ضمن الاستعدادات لتنفيذ المهمة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل نشر وحدات متخصصة في مكافحة الألغام البحرية، مشيرًا إلى وجود كاسحات ألغام في المنطقة، تعمل بالتنسيق مع قوات بحرية من دول حليفة.


ومن بين هذه الدول، أعلنت المملكة المتحدة إرسال كاسحات ألغام للمشاركة في العمليات، في خطوة تعكس تنسيقًا عسكريًا واسعًا بين الحلفاء الغربيين في مواجهة التهديدات البحرية المحتملة.


وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن مدمرتين تابعتين للبحرية الأمريكية، وهما المدمرة الأمريكية "يو إس إس مايكل مورفي" والمدمرة الأمريكية "يو إس إس فرانك إي بيترسون"، تمكنتا من عبور مضيق هرمز للمرة الأولى منذ اندلاع المواجهات، في خطوة اعتبرها محللون بمثابة اختبار ميداني لإثبات سلامة المسار الملاحي الرئيسي.


ورغم ذلك، يرى خبراء عسكريون أن هذه المدمرات ليست الأنسب لتنفيذ عمليات إزالة الألغام، مرجحين أن يكون الهدف من عبورها هو إرسال رسالة سياسية وعسكرية تؤكد قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على حرية الملاحة.


غواصات مسيّرة لرصد الألغام تحت الماء


ضمن خطة التطهير، تعتزم البحرية الأمريكية نشر غواصات مسيّرة تحت الماء خلال الأيام المقبلة، بهدف رصد الألغام الإيرانية وتحديد مواقعها بدقة قبل البدء في عمليات تحييدها.


وتشير تقارير عسكرية إلى اعتماد الولايات المتحدة على تقنيات متطورة في هذا المجال، أبرزها الطائرة المسيّرة تحت الماء "نايف فيش"، التي طورتها شركة جنرال دايناميكس الأمريكية، والتي يصل وزنها إلى نحو 17 ألف رطل، وتمتاز بقدرتها على اكتشاف الألغام المدفونة داخل قاع البحر، إضافة إلى تلك الموجودة في البيئات البحرية المعقدة.


كما تشمل المعدات المستخدمة الغواصة المسيّرة "كينج فيش 2"، وهي مركبة ذات تصميم يشبه الصاروخ، مزودة بأنظمة سونار متقدمة قادرة على مسح قاع البحر واكتشاف الأجسام المشبوهة التي قد تكون ألغامًا.


مروحيات متخصصة للكشف والتفجير


بالتوازي مع العمليات البحرية، تستخدم البحرية الأمريكية مروحيات من طراز "إم إتش-60 إس"، وهي مروحيات متخصصة مزودة بأنظمة متطورة للكشف عن الألغام باستخدام الليزر المحمول جوًا.


وتتميز هذه المروحيات بقدرتها على تحديد مواقع الألغام بسرعة عالية، ثم التعامل معها عبر تفجيرها باستخدام شحنات دقيقة، الأمر الذي يسهم في تقليل المخاطر على السفن العسكرية والتجارية.


ويرى محللون عسكريون أن المرحلة الأساسية في عمليات التطهير ستعتمد على التعاون بين الغواصات المسيّرة، والسفن القتالية الساحلية، والمروحيات المتخصصة، بما يسمح بإزالة الألغام بكفاءة أعلى وتقليل الخسائر المحتملة.


تحديات لوجستية معقدة أمام الحصار


على الرغم من التفوق البحري الأمريكي، يؤكد خبراء أن فرض حصار بحري شامل على إيران يمثل تحديًا لوجستيًا وعسكريًا كبيرًا، نظرًا لاتساع نطاق العمليات وكثافة حركة الملاحة في مضيق هرمز.


وفي هذا الإطار، أوضح الأدميرال الأمريكي المتقاعد جيمس ستافريديس أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد تحتاج إلى مجموعتين ضاربتين من حاملات الطائرات، بالإضافة إلى نحو 12 سفينة سطحية خارج الخليج العربي، لتأمين الدوريات عند مدخل المضيق.


وأشار إلى أن العمليات داخل الخليج ستتطلب نشر ما لا يقل عن ست مدمرات أمريكية، تعمل على تطويق المضيق من الجانبين لضمان إحكام السيطرة على حركة السفن.


عمليات الصعود على السفن التجارية


من جانبه، أوضح القبطان الأمريكي السابق كارل شوستر أن من بين المدمرات الست التي ستعمل داخل الخليج، سيتم تخصيص مدمرتين لتنفيذ عمليات الصعود على متن السفن التجارية، بينما ستتولى المدمرات الأربع الأخرى مهمة تأمين الحماية والتصدي لأي محاولات إيرانية لعرقلة العمليات.


وأضاف أن كل مدمرة قادرة على تنفيذ نحو ست عمليات تفتيش أو استيلاء على سفن يوميًا، في وقت كانت تمر فيه حوالي 130 سفينة عبر المضيق يوميًا قبل اندلاع الحرب.


ويعكس هذا الرقم حجم التحديات التشغيلية التي تواجهها البحرية الأمريكية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى مراقبة عدد كبير من السفن وضمان عدم نقل مواد قد تدعم المجهود الحربي الإيراني.


اللجوء إلى قانون الغنائم الدولي


في ظل تعقيدات فرض الحصار التقليدي، رجحت الباحثة العسكرية الأمريكية جينيفر باركر أن تعتمد الولايات المتحدة على أسلوب المصادرة وفق ما يُعرف بـ"قانون الغنائم" الدولي.


ويتيح هذا القانون للأطراف المتحاربة الاستيلاء على السفن والبضائع التابعة للعدو، وكذلك تفتيش السفن المحايدة ومصادرتها في حال ثبوت نقلها لبضائع مهربة أو مواد تسهم في دعم القدرات العسكرية للخصم.


ويُعد هذا الخيار أحد الأدوات القانونية التي قد تستخدمها الولايات المتحدة لتوسيع نطاق تأثير الحصار، دون الحاجة إلى نشر قوات إضافية بشكل كبير.


أنواع الألغام الإيرانية وتحديات التعامل معها


تشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران قد تكون استخدمت أنواعًا متعددة من الألغام البحرية، من بينها ألغام ملامسة تنفجر عند الاصطدام المباشر بالسفن، وألغام تأثيرية تنفجر نتيجة الكهرباء الساكنة، إضافة إلى ألغام مغناطيسية وصوتية، وألغام ضغط تنفجر نتيجة تغير ضغط المياه.


كما يُعتقد أن بعض الألغام الإيرانية المتقدمة قد تجمع بين أكثر من نظام تفجير، وهو ما يزيد من صعوبة اكتشافها وتعطيلها.


ومن بين التحديات الأخرى، وجود ألغام مزودة بآليات ذكية تسمح بمرور عدد محدد من السفن قبل الانفجار، وهو ما يجعل عملية التحقق من خلو الممرات البحرية من الألغام أكثر تعقيدًا وخطورة.


طرق إزالة الألغام البحرية


تعتمد عمليات إزالة الألغام البحرية على طريقتين أساسيتين، الأولى هي المسح، والتي تتم عبر قطع كابلات الألغام المثبتة في القاع، أما الطريقة الثانية فتتمثل في استخدام أجهزة السونار أو الليزر لرصد الألغام القاعية وتدميرها.


غير أن هذه التقنيات قد لا تكون فعالة ضد الألغام المعقدة أو ألغام الضغط، وهو ما يزيد من صعوبة المهمة ويطيل مدة العمليات العسكرية.


وفي هذا السياق، يشير محللون عسكريون إلى أن قدرة الولايات المتحدة على إزالة الألغام بمفردها قد تكون محدودة، خاصة بعد أن قامت البحرية الأمريكية العام الماضي بإخراج أربع كاسحات ألغام متخصصة من الخدمة، ما قد يؤثر على سرعة تنفيذ العمليات.


أهمية مضيق هرمز في معادلة الصراع


يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز من دول الخليج العربي إلى الأسواق العالمية.


ولذلك، فإن أي تعطيل لحركة الملاحة فيه قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وزيادة التوترات الاقتصادية على المستوى الدولي.


ويرى خبراء أن السيطرة على المضيق تمثل نقطة محورية في الصراع الحالي، إذ تمنح الطرف المسيطر قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى فرض واقع عسكري جديد في المنطقة.


مستقبل العمليات العسكرية في المنطقة


في ظل استمرار العمليات العسكرية وتزايد الحشود البحرية، يتوقع محللون أن تشهد الفترة المقبلة تصعيدًا إضافيًا في وتيرة العمليات، خصوصًا إذا استمرت إيران في استخدام الألغام البحرية أو حاولت عرقلة حركة السفن.


كما يرجح أن تتوسع العمليات الأمريكية لتشمل مناطق بحرية إضافية، في محاولة لتأمين خطوط الملاحة الدولية ومنع أي تهديدات جديدة.


ومع استمرار هذا التصعيد، تبقى الأنظار موجهة إلى مضيق هرمز باعتباره بؤرة الصراع الرئيسية، ومؤشرًا حاسمًا على مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران خلال المرحلة المقبلة.