آراء وأقلام

د. أنمار الدروبي يكتب… النظام السياسي الدولي الجديد صراع القوة والعقيدة

الأحد 12 أبريل 2026 - 07:45 م
الأمصار

يمثل النظام السياسي الدولي مجموعة من القواعد والمعايير المرتبطة والتي تحكم مجمل عمل العلاقات بين الدول خلال فترة زمنية معينة. ويعتبر (مارسيل ميرل) الشخص الدولي أو الفاعل الدولي هو كل سلطة أو هيئة أو تجمع وكل إنسان مؤهل أن يلعب دوراً على الساحة الدولية. أما (مورتن كابلان) فهو يرى أن النظام السياسي الدولي هو عبارة عن حركة تفاعلية دائمة يعمل وفق آلية الفعل ورد الفعل. 

بمعنى انه ليس نظاما جامدا، كما انه لا يتحرك من خلال سلطة قاهرة تملي على بقية الوحدات الأوامر فتلقى الاستجابة لها.

 وبحسب (ديفيد استن) فان النظام السياسي الدولي هو عبارة عن هيكل مفتوح لاستقبال مدخلات من المحيط الخارجي تميل لخلق التوازن داخل النظام من خلال التفاعل وتفرز سلوكا (مخرجات)تشكل في مجموعها النظام السياسي الدولي. ومن وجهة نظر (كينيث بولدنغ) أنه مجموعة من الوحدات السلوكية المتفاعلة التي تسمى أمما أو دولا التي يضاف أليها أحيانا بعض المنظمات فوق القومية كالأمم المتحدة ويمكن توصيف كل وحدة من هذه الوحدات السلوكية بأنها مجموعة المتغيرات التي يفترض وجود علاقة معينة فيما بينها.

وفي رأي كاتب المقال، فإن الحرب الأخيرة كانت تعبير عن السلوك البشري لصانع القرار السياسي الأمريكي. 

لاسيما أن هذا السلوك ربما يكون الجدار الذي اختبأ خلفه صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية بعد عجزهم عن إيجاد حلول لمشاكلهم الداخلية،وسوء إدارة الأزمات العالمية. 

بمعنى أنه سلوك الأخذ بالقوة واستخدام السلطة والتهديد بها، وهنا أصبحت القوة هي أحد مداخل التعرف على سلوك صانع القرار السياسي الأمريكي الذي عمل منذ مئات السنين على وضع النظام السياسي الدولي وحالةالعلاقات الدولية التي تربط الدول ببعضها في المجال الخارجي، ما هي في حقيقة الأمر سوى علاقات قوى لأنها علاقات تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية بقدر ما أوتيت من قوى. وبالمثل فإن مجمل القضايا الكبرى في السياسة الدولية تتصل بالقوة، وإن كل ما يحدث على الساحة الدولية ما هو إلا تعبيرا عن منطق القوة.

ومن هذا المنطلق، فقد تطابقت رؤية صانع القرار السياسي الأمريكي بنسبة ضئيلة مع آراء العالم والفيلسوف السياسي والاقتصادي الأمريكي (فرانسيس فوكوياما) الذي اشتهر بكتابة (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) ليحتوي على رؤية مستقبلية تأكد على أن انتشار الديمقراطيات والليبرالية والرأسمالية والسوق الحرة في العالم قد يشير ضمنا إلى نهاية هذا الانتصار.

بالمقابل ربما لا تعني القوة بالضرورة القوة العسكرية، وإنما قوة العقيدة أو القوة القومية بمفهومها الشامل وبمختلف عناصرها ومكوناتها المادية وغير المادية. 

ومن الثابت تاريخيا أن أهمية عناصر القوة ليست واحدة في المكان والزمان، بمعنى اختلاف نوعية تأثر كل منهما في سياسات الدول. ففي زمن السلم يعطي للعناصر الاقتصادية والدبلوماسية وزن أكبر في تشكيل قوة الدولة، بينما تعتمد قوة الدولة في زمن الحرب بدرجة عالية على قوتها العسكرية وتكنولوجيا الحرب إضافة إلى مهارتها الاستراتيجية. فعلاقات القوة على المستوى الدولي هي علاقات متباينة ما بين إرادات تستهدفمن خلال مكونات قوتها تحقيق غاياتها سواء كانت علاقات قوى وتوازن قوى أو ربما تكون علاقات مبينة مسبقا على العقيدة.ويلاحظ أن بيئة النظام السياسي الدولي تمتلك إمكانات محددة في القوة، يقابلها امتلاك القوى الأخرى إمكانات قد تقل عنها أو تساويها أو تتفوق عنها.

 

في السياق ذاته، تأتي أهمية فهم وتفكيك موضوع العقيدة لدى بعض الفاعليين الدوليين، من خلال توفير العناصر الجوهرية المطلوبة لتفسير النظام السياسي الدولي، وكذلك يقودنا للتعرف على الخصائص الأساسية في العلاقات الدولية، إضافة إلى فهم الخيارات الأساسية للعناصر الفاعلة في النظام الدولي.

وفقا لما تقدم، فإن جدلية القوة والعقيدة في العلاقات الدولية تعكسالتوجهات والأفعال والتصرفات والسلوكيات في الاتجاه الذي يصب في مصلحة كل منهما (القوة والعقيدة) دون أن يستشعر الطرف الآخر (الأقل قوة) أنه يقدم تنازلات ذات قيمة.

 حيث انتهجت القوى العظمى هذا المفهوم في إطار مختلف خلال الحرب وهو المفهوم التقليدي والمباشر للقوة ونفوذها. إلا أن هذا المفهوم قد شهد بعضالتطورات وفقاً للتغيرات التي صاحبت العلاقات الدولية وما ترتب عليها من تعقيدات في ضوء الصراع الدائم ما بين القوة والعقيدة.

بالتالي فإن الحديث عن النظام السياسي الدولي هو حديث صراع مستمر في عالم اليوم المعقد تقنيا وتكنلوجيا وكذلك عقائديا، وبالنظرإلى العناصر الاجتماعية المختلفة مثل المستوى المعيشي والثقافة والنظم السياسية والاقتصادية يجعل الإدارة العالمية صعبة للغاية نتيجة تنوع العالم إلى حد كبير. الجانب الآخر هو مسألة الاختلافات الجغرافية بين أصحاب القوة وأصحاب العقيدة، فالنظرية البسيطة في العلاقات الدولية التي تفترض أنه كلما ابتعدنا عن مركز الدولة كلما قل أهميته، وهذا بحد ذاته لا ينطبق على صراع القوة والعقيدة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بالرغم من أن أوروبا الغربية بعيدة عن أمريكا، إلا أنها مهمة جدا لأمريكا لدرجة أنه من الصعب تحديد نوع الأسلحة التي يمكن نشرها في أوروبا لسبب بسيط هو أن الأخيرة قريبة من روسيا، وما هو ضروري لحماية أوروبا يمثل تهديد لروسيا. في الوقت نفسه تمثلمسألة توازن القوى العسكرية من أساسيات النظام السياسي الدولي، لاسيما كان هذا واضحا في مسألة الصراع التقليدي السابق ومشكلة التوازن المركزي بين القطبين الاتحاد السوفيتي قبل انهياره والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصبح السوفييت منذ الحرب العالمية الثانية قوة برية هائلة، بينما رد الغرب بميزته التقنية في مجال الطائرات والسلاح النووي مع تحسين وتطور القوة العسكرية السوفيتية لاحقا.