كشف العميد الدكتور جمال الشهيد، الخبير الاستراتيجي السوداني في العمليات العسكرية والأمنية، أن الحرب الدائرة في جمهورية السودان لم تعد مجرد صراع داخلي بين أطراف محلية، بل تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي واسع، نتيجة تشابك المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية المرتبطة بالموقع الجغرافي الاستراتيجي للسودان.
وأوضح الخبير الاستراتيجي السوداني، خلال حوار مع منصة «هنا السودان» التابعة لجريدة الدستور، أن تحليل تطورات الحرب في السودان لا يمكن أن يقتصر على العوامل الداخلية فقط، بل يجب النظر إليها في إطار أوسع يشمل التوازنات الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن ما بين 16 إلى 17 دولة شاركت بصورة غير مباشرة في مسار هذا النزاع، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو اللوجستي.
وأشار الشهيد إلى أن جمهورية السودان تتمتع بموقع جغرافي بالغ الأهمية، حيث تطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يمنحها مكانة استراتيجية كبيرة في الحسابات الجيوسياسية للقوى الدولية.
وأضاف أن هذا الموقع جعل السودان محط أنظار العديد من القوى الإقليمية والدولية التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، سواء لأهداف اقتصادية تتعلق بالتجارة والطاقة، أو لأهداف عسكرية وأمنية.

وبيّن الخبير العسكري السوداني أن بعض الدول تسعى بالفعل إلى إنشاء قواعد عسكرية أو مراكز لوجستية على سواحل البحر الأحمر، مستفيدة من الموقع الجغرافي الذي يربط بين قارة أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، وهو ما يعزز من أهمية السودان كحلقة وصل استراتيجية في حركة الملاحة الدولية.
وأكد الشهيد أن التنافس الدولي على منطقة البحر الأحمر ليس أمرًا جديدًا، بل يمتد لعدة عقود، موضحًا أن المنطقة شهدت منذ ثمانينيات القرن الماضي صراعًا غير مباشر بين القوى الكبرى للسيطرة على النفوذ البحري والتجاري.
ولفت إلى أن من أبرز القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في السنوات الأخيرة، مشروع إنشاء قاعدة بحرية روسية داخل السودان، وهو المشروع الذي واجه اعتراضًا من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسعى للحفاظ على توازن القوى ومنع أي توسع عسكري روسي في المنطقة.
وفي سياق متصل، أشار الخبير الاستراتيجي السوداني إلى أن الحدود الجغرافية الواسعة التي تربط جمهورية السودان بعدد من الدول المجاورة، مثل دولة ليبيا وجمهورية تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية جنوب السودان، أسهمت في تعقيد المشهد العسكري، حيث ساعدت هذه الحدود المفتوحة على انتقال الإمدادات والأسلحة إلى داخل الأراضي السودانية.
وأوضح أن التداخل القبلي والاجتماعي بين المجتمعات الموجودة على جانبي الحدود جعل من الصعب فرض رقابة صارمة على حركة الأفراد والأسلحة، وهو ما أدى إلى استمرار تدفق الدعم العسكري لبعض الأطراف، وأسهم في إطالة أمد الصراع داخل السودان.
وأشار الشهيد إلى أن القوات المسلحة في جمهورية السودان تمكنت خلال مراحل مختلفة من احتواء التمرد عسكريًا في عدد من المناطق، إلا أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في مرحلة ما بعد انتهاء العمليات العسكرية، والتي تتطلب جهودًا كبيرة على المستويين السياسي والدبلوماسي.
وأضاف أن تحقيق الاستقرار الدائم في السودان لن يتحقق إلا من خلال تنسيق مشترك مع دول الجوار، يهدف إلى ضبط الحدود وتعزيز التعاون الأمني، إلى جانب العمل على إعادة بناء المؤسسات الحكومية والعسكرية، بما يضمن استقرار الأوضاع الأمنية ويمنع عودة النزاعات المسلحة مستقبلًا.
واختتم الخبير الاستراتيجي السوداني حديثه بالتأكيد على أن مستقبل جمهورية السودان سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المحلية والدولية على التوصل إلى حلول سياسية شاملة، تُنهي حالة التوتر والصراع، وتعيد توجيه موارد البلاد نحو التنمية الاقتصادية وتحسين الأوضاع الإنسانية، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الشعب السوداني نتيجة استمرار الحرب وتأثيراتها على مختلف القطاعات الحيوية.