تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تستضيف مفاوضات مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية، في محاولة لتحويل الهدنة المؤقتة التي أُعلنت في 8 أبريل إلى اتفاق دائم ينهي التوترات المتصاعدة في المنطقة.
وتأتي هذه المحادثات في ظل ظروف معقدة، حيث تسعى الأطراف إلى احتواء تداعيات الحرب الأخيرة التي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة والتوازنات الإقليمية.

تنطلق المفاوضات وسط حالة من انعدام الثقة بين الجانبين، وهو ما انعكس في التصريحات المتبادلة قبل بدء الاجتماعات، فقد أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس تطلع بلاده إلى مفاوضات إيجابية، لكنه حذر في الوقت ذاته من أي محاولات إيرانية لـ"الخداع" أو "التحايل".
في المقابل، شدد مساعد وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانتشي على أن طهران ترحب بالدبلوماسية، لكنها ترفض الدخول في حوار يستند إلى معلومات مضللة أو يمهد لعمل عسكري جديد ضدها.
يرأس الوفد الأمريكي جي دي فانس، ويضم مبعوث الرئيس ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، الذين سبق لهم الانخراط في محادثات غير مباشرة مع الجانب الإيراني عبر وساطة عمانية.
على الجانب الآخر، يقود الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي.
وربط قاليباف انطلاق المفاوضات بتنفيذ شرطين أساسيين: وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، مؤكدًا أن هذه الالتزامات يجب تنفيذها قبل بدء أي حوار.

تشير التقديرات إلى أن المحادثات ستُعقد بشكل غير مباشر، عبر وجود الوفدين في غرف منفصلة، مع تولي الوسيط الباكستاني نقل الرسائل بين الطرفين.
ومع ذلك، لا تستبعد مصادر باكستانية إمكانية عقد لقاء مباشر في حال تحقق تقدم، وهو ما تأمل إسلام آباد أن يشكل اختراقًا تاريخيًا في مسار العلاقات بين البلدين.
تأتي هذه المفاوضات بعد تصعيد عسكري غير مسبوق، حيث شهدت المنطقة مواجهات واسعة أدت إلى اضطراب كبير في أسواق النفط والتجارة العالمية، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية.
وقد أسفرت هذه التطورات عن ضغوط دولية متزايدة لدفع الأطراف نحو التهدئة، وهو ما أفضى إلى هدنة مؤقتة تسعى هذه المفاوضات إلى تثبيتها.
برزت باكستان كوسيط رئيسي مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، إلى جانب روابطها التاريخية مع إيران وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والصين.
وفي الكواليس، لعبت الصين دورًا مهمًا في دفع طهران نحو قبول الهدنة، بحسب تقديرات دبلوماسية، ما يعزز احتمالات مشاركتها كضامن لأي اتفاق محتمل، خاصة في ظل الثقة الإيرانية في دور بكين مقارنة بغيرها من القوى الدولية.

لا تزال القضايا الخلافية بين الطرفين عميقة، إذ تركز واشنطن على الحد من تخصيب اليورانيوم وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما تطالب طهران برفع العقوبات ووقف العمليات العسكرية في المنطقة، إلى جانب فرض شروطها المتعلقة بالملاحة البحرية.
كما يمثل الملف اللبناني نقطة توتر إضافية، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية، وهو ما تعتبره إيران عائقًا أمام أي تقدم حقيقي في المفاوضات.
في ضوء هذه التعقيدات، تبدو مفاوضات إسلام آباد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات وبناء أرضية مشتركة. وبين التفاؤل الحذر والتشاؤم الواقعي، يبقى نجاح هذه الجولة مرهونًا بمدى الاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة تفتح الباب أمام تهدئة شاملة في المنطقة.