دراسات وأبحاث

مكالمة ما قبل الهدنة.. كيف رسمت اللحظات الأخيرة بين ترامب ونتنياهو ملامح التصعيد في المنطقة؟

الجمعة 10 أبريل 2026 - 04:06 م
جهاد جميل
الأمصار

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وبينما كانت ترتيبات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران تقترب من الإعلان، برزت مكالمة هاتفية حاسمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتكشف عن كواليس معقدة تسبق الهدنة المرتقبة.

 هذه المكالمة لم تكن مجرد إخطار دبلوماسي، بل مثلت نقطة تحول في مسار الأحداث، حيث سعت إسرائيل من خلالها إلى تثبيت معادلة ميدانية مختلفة، تضمن استمرار الضغط العسكري في جبهات أخرى، رغم التهدئة المنتظرة مع إيران.

 وبين حسابات السياسة وأصوات المدافع، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تعيد رسم توازنات المنطقة.

 

مكالمة في توقيت حرج

قبل ساعات قليلة من إعلان وقف إطلاق النار، تلقى نتنياهو اتصالًا مباشرًا من ترامب، أبلغه خلاله بأن واشنطن باتت على وشك الإعلان رسميًا عن هدنة مع إيران. 

وجاءت هذه الخطوة في توقيت دقيق، حيث لم تكن إسرائيل طرفًا مباشرًا في المفاوضات، ما جعلها تشعر بأن دورها في المشهد يتم تهميشه.

ورغم هذا الاستبعاد النسبي، وافق نتنياهو على التنسيق مع الجانب الأمريكي، لكنه سارع في المقابل إلى طرح مطلب واضح، يتمثل في استمرار العمليات العسكرية في جبهات أخرى، وتحديدًا في لبنان، وهو ما حصل على ضوء أخضر لتنفيذه.

 

تصعيد متزامن مع التهدئة

لم تمر ساعات على تلك المكالمة حتى شنت إسرائيل هجومًا جويًا واسع النطاق، استهدف عشرات المواقع في لبنان خلال دقائق معدودة، في عملية عكست بوضوح طبيعة المرحلة الجديدة، التي تجمع بين التهدئة في جبهة والتصعيد في أخرى.

هذا التحرك أثار ردود فعل غاضبة، خاصة من الجانب الإيراني، الذي اعتبر أن ما جرى يمثل التفافًا على مسار التهدئة، ومحاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.

 

نتنياهو بين الداخل والخارج

على الصعيد الداخلي، يواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة، مع تصاعد الانتقادات بشأن استمرار العمليات العسكرية دون أفق سياسي واضح. فمنذ اندلاع المواجهات الكبرى في المنطقة، يسعى إلى ترسيخ صورته كقائد حازم، إلا أن طول أمد الصراع بدأ ينعكس سلبًا على المزاج العام داخل إسرائيل.

وتشير مواقف المعارضة، وعلى رأسها يائير لابيد، إلى تراجع الدعم الشعبي، حيث تتهم الحكومة بإدارة الحرب دون استراتيجية واضحة لتحقيق السلام أو إنهاء التصعيد.

 

رهانات على القوة العسكرية

في المقابل، يواصل نتنياهو الدفاع عن نهجه، مؤكدًا أن العمليات العسكرية حققت نتائج مهمة، خاصة فيما يتعلق بإضعاف قدرات إيران.

 ويرى أن استمرار الضغط العسكري يمثل ضرورة لحماية الأمن القومي، خصوصًا في ظل التهديدات القادمة من جبهات متعددة.

كما أعلن عن توجه لفتح قنوات تفاوض مع لبنان، تتضمن مناقشة ملفات حساسة، مثل نزع سلاح حزب الله، إلا أن فرص الوصول إلى اتفاق طويل الأمد لا تزال محدودة، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

 

خسائر ثقيلة لإيران

على الجانب الآخر، تكشف التقارير عن حجم الضربات التي تعرضت لها إيران خلال الفترة الماضية، نتيجة حملة عسكرية مكثفة شاركت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل. 

وتشير التقديرات إلى تنفيذ آلاف الضربات الجوية التي استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية.

وقد أسفرت هذه العمليات عن تراجع ملحوظ في القدرات العسكرية الإيرانية، سواء على مستوى البنية التحتية أو منظومات التسليح، وهو ما قد يتطلب سنوات لإعادة البناء، بحسب تقديرات محللين.

 

مشهد إقليمي مفتوح على الاحتمالات

تعكس هذه التطورات واقعًا إقليميًا معقدًا، تتداخل فيه مسارات التهدئة مع بؤر التصعيد، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمآلات المرحلة المقبلة. فبينما تسعى بعض الأطراف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، تعمل أطراف أخرى على إعادة ترتيب أوراقها الميدانية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

وفي ظل هذا التداخل، تبقى المنطقة أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين احتواء التوتر والانزلاق إلى جولات جديدة من التصعيد، خاصة مع استمرار التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والتأثير.


تكشف مكالمة اللحظات الأخيرة بين ترامب ونتنياهو أن ما يجري خلف الكواليس لا يقل أهمية عما يحدث على الأرض. 

فبين قرار الهدنة وحسابات القوة، تتشكل معادلة جديدة عنوانها: تهدئة مشروطة، وتصعيد محسوب، في منطقة لا تعرف الاستقرار الكامل.