دراسات وأبحاث

محددات الموقف الإيراني من مفاوضات وقف الحرب

الأربعاء 08 أبريل 2026 - 02:58 م
غاده عماد
الأمصار

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة، تبرز ملامح استراتيجية معقدة تحكم سلوك طهران التفاوضي، حيث تتداخل الأهداف العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية. فبينما تسعى القوى الكبرى إلى احتواء التصعيد، تحاول إيران توظيف أدوات الضغط المختلفة لتعزيز موقعها في أي مفاوضات محتملة، خصوصًا مع تزايد تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية، لا سيما عبر مضيق هرمز.

تصعيد محسوب وإدارة للضغوط

تعتمد إيران على استراتيجية تصعيد مدروس يهدف إلى رفع تكلفة الحرب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة. ويظهر ذلك من خلال توظيفها لأساليب الاستنزاف العسكري والعمليات غير التقليدية، التي تستهدف إرباك الخصوم وإبقائهم في حالة استنزاف دائم.
كما تسعى طهران إلى تقليص النفوذ العسكري الأمريكي في المنطقة، عبر الضغط غير المباشر، سواء من خلال العمليات العسكرية المحدودة أو عبر حلفائها الإقليميين. هذه الاستراتيجية لا تستهدف فقط تحقيق مكاسب ميدانية، بل تهدف أيضًا إلى تحسين شروط التفاوض وإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات.

السيطرة على الممرات البحرية كورقة ضغط

تدرك إيران أهمية موقعها الجغرافي، ولذلك تستخدم الممرات البحرية كورقة ضغط رئيسية في الصراع.

 فالتأثير على حركة الملاحة في مضيق هرمز يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل اعتماد الأسواق الدولية على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
 

ولا يقتصر هذا الضغط على التهديد فقط، بل يمتد إلى استخدام تكتيكات انتقائية، مثل تعطيل جزئي للملاحة أو استهداف منشآت حيوية، بما يخلق حالة من القلق الدولي دون الوصول إلى مرحلة الإغلاق الكامل للمضيق، وهو ما قد يؤدي إلى ردود فعل دولية واسعة.

نهج تفاوضي قائم على الحذر
تعتمد إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة على أسلوب غير مباشر، حيث تفضل نقل الرسائل عبر وسطاء بدلاً من الدخول في مفاوضات مباشرة. ويهدف هذا النهج إلى تقليل الضغوط السياسية والإعلامية، وكذلك تجنب تقديم تنازلات سريعة.
كما ترفض طهران فكرة الاتفاقات المؤقتة، مثل وقف إطلاق النار لفترات قصيرة، وتصر على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام يضمن إنهاء الصراع بشكل نهائي، مع تقديم ضمانات بعدم تكراره. ويعكس هذا الموقف حالة من انعدام الثقة تجاه واشنطن وحلفائها، خاصة في ظل تجارب سابقة شهدت انهيار اتفاقات أو تجدد النزاعات.

أولوية بقاء النظام
يُعد الحفاظ على استقرار النظام السياسي في إيران أحد أهم المحددات التي تحكم موقفها التفاوضي. فطهران تسعى إلى الحصول على اعتراف دولي بشرعية نظامها، بما يتيح لها العودة إلى المجتمع الدولي كفاعل طبيعي.
كما تهدف إلى رفع العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني لسنوات، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية والتبادل التجاري. ويُنظر إلى هذه الأهداف باعتبارها ضرورية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وتعويض الخسائر الناجمة عن الحرب.

استعادة الدور الإقليمي

تسعى إيران إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية رئيسية في الشرق الأوسط، وترى أن أي اتفاق مع الولايات المتحدة يجب أن يعكس هذا الدور. ومن بين الأهداف التي تسعى لتحقيقها، تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية بما يمنحها دورًا أكبر.
كما تطرح طهران فكرة تنظيم الملاحة في مضيق هرمز بالتنسيق مع سلطنة عُمان، في إطار رؤية تهدف إلى “أقلمة الأمن” بدلاً من الاعتماد على القوى الخارجية. إلا أن هذا الطرح يواجه تحديات كبيرة، خاصة مع تحفظ دول الخليج التي لا تزال تشكك في نوايا إيران بعد الهجمات التي طالت منشآتها الحيوية.

إعادة تشكيل التوازن الإقليمي
تسعى إيران أيضًا إلى إعادة بناء التوازنات الإقليمية من خلال تعزيز علاقاتها مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، إلى جانب الانفتاح على جهود الوساطة التي تقودها مصر.
ويأتي هذا التوجه في إطار محاولة خلق تحالفات جديدة تقلل من عزلتها الدولية، وتمنحها دعمًا سياسيًا في مواجهة الضغوط الأمريكية. كما تسعى هذه الدول إلى لعب دور الوسيط لتحقيق الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتأثيره على الأمن الإقليمي.

تحديات أمام المسار التفاوضي
رغم هذه التحركات، تواجه إيران تحديات كبيرة في تحقيق أهدافها. فهناك رفض أمريكي لأي ترتيبات تقلص نفوذها في المنطقة بشكل كبير، كما أن إسرائيل تظل عاملًا مؤثرًا في المعادلة، حيث تعارض أي اتفاق قد يمنح إيران مساحة أكبر للحركة.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار العمليات العسكرية واستهداف البنية التحتية يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق سريع. كما أن تباين مصالح القوى الدولية والإقليمية يضيف مزيدًا من التعقيد إلى العملية التفاوضية.


في المجمل، يعكس الموقف الإيراني من مفاوضات وقف الحرب مزيجًا من الحذر والبراغماتية، حيث تسعى طهران إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من التنازلات. وبينما تستمر في استخدام أدوات الضغط المختلفة، فإنها تدرك في الوقت نفسه أهمية التوصل إلى تسوية تضمن بقاء النظام واستقرار الدولة.
ومع استمرار الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الأزمة، يبقى مستقبل المفاوضات مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى صيغة توازن بين المصالح المتعارضة، وتضع حدًا للصراع المتصاعد في المنطقة.