دراسات وأبحاث

1.5 تريليون للبنتاجون.. كيف يعيد دونالد ترامب رسم أولويات الدولة الأمريكية؟

الأحد 05 أبريل 2026 - 03:18 م
جهاد جميل
الأمصار

تكشف ملامح الميزانية الفيدرالية الجديدة التي طرحها دونالد ترامب عن تحول عميق في فلسفة إدارة الموارد داخل الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية. 

وبينما ترفع الإدارة سقف الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، تتجه في المقابل إلى تقليص واسع للبرامج الاجتماعية والتنموية، ما يفتح بابًا واسعًا للجدل حول مستقبل دور الدولة وتوازن أولوياتها.

تحول جذري في فلسفة الإنفاق

تعكس الميزانية المقترحة رؤية مختلفة لدور الحكومة الفيدرالية، حيث يتم تقديم القوة العسكرية باعتبارها الضامن الأول للأمن القومي هذا التحول لا يقتصر على الأرقام، بل يمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر تقليص الإنفاق على قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية.

وتشير هذه المقاربة إلى انتقال واضح من نموذج “الدولة الراعية” إلى نموذج يركز على “الدولة الحامية”، وهو تحول أيديولوجي يعيد ترتيب الأولويات التقليدية داخل السياسة الأمريكية.

أرقام قياسية للإنفاق العسكري

تتضمن الميزانية طلب تخصيص نحو 1.5 تريليون دولار لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، إلى جانب 200 مليار دولار إضافية لتغطية تكاليف العمليات العسكرية الجارية، في مقدمتها الحرب مع إيران.

وتعكس هذه الأرقام توجهًا نحو ترسيخ ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الحرب”، حيث لا يبدو الإنفاق العسكري استجابة مؤقتة لأزمة، بل خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد. ومن المتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي بنسبة 42%، وهي زيادة تقترب من مستويات التعبئة الكبرى التي شهدتها الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية، بل وتتجاوز معدلات التوسع العسكري في عهد رونالد ريغان.

تقشف داخلي واسع النطاق

في المقابل، تتجه الإدارة إلى خفض الإنفاق غير الدفاعي بنحو 10%، أي ما يعادل 73 مليار دولار. وتشمل هذه التخفيضات قطاعات حيوية، من أبرزها:

خفض ميزانية وكالة حماية البيئة بنسبة 52%

تقليص تمويل المؤسسة الوطنية للعلوم بنسبة 55%

خفض دعم إدارة الأعمال الصغيرة بنسبة 67%

وتثير هذه التخفيضات مخاوف بشأن تأثيرها على الابتكار الاقتصادي والاستدامة البيئية، فضلًا عن قدرتها على دعم الفئات الأكثر احتياجًا.

في المقابل، تستثني الميزانية بعض الجهات مثل وزارة العدل، التي ستحصل على زيادة بنسبة 13%، في إطار تعزيز سياسات إنفاذ القانون.

“المقايضة الصريحة” في تصريحات ترامب

في تصريحات لافتة خلال لقاء مغلق، أوضح ترامب بشكل مباشر طبيعة هذه السياسة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة “تخوض حروبًا” ولا يمكنها في الوقت نفسه تمويل برامج الرعاية الاجتماعية بشكل كامل.

وأشار إلى أن الأولوية يجب أن تكون “للحماية العسكرية”، داعيًا إلى نقل جزء من عبء تمويل البرامج الاجتماعية إلى حكومات الولايات، التي قد تضطر بدورها إلى رفع الضرائب المحلية.

وتعكس هذه التصريحات وضوحًا غير معتاد في طرح المقايضة بين الأمن العسكري والرفاه الاجتماعي، ما يزيد من حدة الجدل السياسي حول هذه التوجهات.

مكافحة الهدر.. مبرر مثير للجدل

تبرر الإدارة هذه التخفيضات بوجود هدر وعمليات احتيال في الإنفاق الحكومي، حيث كلف ترامب نائبه جيه دي فانس بقيادة جهود مكافحة الاحتيال.

غير أن هذه الطروحات تواجه تشكيكًا واسعًا، خاصة في ظل تجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة. فقد سبق أن قدمت شركة دوج، المرتبطة بـإيلون ماسك، وعودًا بتحقيق وفورات ضخمة، لكنها لم تتمكن من تنفيذها، وفق تقييمات مستقلة اعتبرت تلك الأرقام مبالغًا فيها.

مأزق الجمهوريين بين السياسة والناخبين

تضع هذه الميزانية الحزب الجمهوري أمام تحدٍ سياسي معقد. فالكثير من القواعد الانتخابية التي دعمت ترامب، خصوصًا في المناطق الريفية وذات الدخل المحدود، تعتمد بشكل كبير على البرامج التي تشملها التخفيضات.

وبينما يدافع مسؤولو الإدارة عن الميزانية باعتبارها خطوة نحو “كفاءة الإنفاق”، يواجه المشرعون الجمهوريون معضلة حقيقية بين دعم أجندة الرئيس أو حماية مصالح ناخبيهم، ما قد ينعكس على التوازنات داخل الحزب في المرحلة المقبلة.

إعادة تعريف دور الدولة الأمريكية

في المحصلة، لا تعكس هذه الميزانية مجرد توجه مالي، بل تعبر عن تحول أيديولوجي أعمق في بنية الدولة الأمريكية. فبينما تتقدم اعتبارات القوة العسكرية إلى الصدارة، يتراجع الدور التقليدي للحكومة في تحقيق التوازن بين الأمن والاستقرار الاجتماعي.