المغرب العربي

جدل واسع حول تمويل الانتخابات في تونس ومخاوف من المال الفاسد

السبت 04 أبريل 2026 - 04:38 م
هايدي سيد
الأمصار

تشهد تونس حالة من الجدل السياسي المتصاعد على خلفية التعديلات الأخيرة التي أقرتها الهيئة المستقلة للانتخابات بشأن قواعد تمويل الحملات الانتخابية، وسط تحذيرات من فتح الباب أمام المال الفاسد والتدخلات غير المشروعة في العملية الديمقراطية.


وأقرت الهيئة تعديلات جديدة على نظام تمويل الحملات الانتخابية، بموجب قرار رسمي صدر في نوفمبر 2022، تضمن إلغاء بعض البنود السابقة واستبدالها بأخرى جديدة، إلا أن هذه التعديلات لم تنجح، وفق آراء عدد من المراقبين، في تحقيق الإصلاح المنشود أو ضمان نزاهة العملية الانتخابية.
وبحسب التعديلات الجديدة، أصبح تمويل الحملات الانتخابية مقتصرًا على التمويل الذاتي للمترشحين، بالإضافة إلى التبرعات الفردية، مع منع الأحزاب السياسية من تمويل مرشحيها بشكل مباشر، وهو القرار الذي جاء على خلفية اتهامات سابقة طالت بعض الأحزاب بالتورط في تمويلات مشبوهة وشراء أصوات الناخبين خلال السنوات الماضية.
ورغم هذا المنع، يرى محللون أن القرار قد لا يكون كافيًا لإغلاق منافذ التمويل غير المشروع، حيث يمكن للأحزاب الالتفاف عليه عبر تمويل مرشحيها بشكل غير مباشر من خلال أطراف ثالثة، ما يضعف من فعالية الإجراءات الرقابية ويثير تساؤلات حول جدوى هذه التعديلات.

ويحذر مراقبون من أن السماح بتمويل الأفراد قد يفتح الباب أمام رجال أعمال أو جهات ذات مصالح خاصة للتأثير في نتائج الانتخابات، من خلال دعم مرشحين بعينهم، ما قد يؤدي لاحقًا إلى تشكيل كتل نيابية خاضعة لنفوذ المال السياسي.
كما تزداد المخاوف من إمكانية دخول أموال غير مشروعة إلى العملية الانتخابية، خاصة تلك المرتبطة بأنشطة غير قانونية مثل التهريب أو تجارة المخدرات، حيث قد يسعى أصحاب هذه الأموال إلى حماية مصالحهم عبر دعم مرشحين يوفرون لهم غطاءً سياسيًا داخل البرلمان.


إلغاء التمويل العمومي يثير الانتقادات
ومن أبرز النقاط المثيرة للجدل، قرار إلغاء التمويل العمومي للحملات الانتخابية، الذي أقره الرئيس التونسي قيس سعيد، حيث يرى منتقدون أن هذا القرار يُضعف مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين، ويمنح الأفضلية لأصحاب الموارد المالية الأكبر.
ويؤكد خبراء أن التمويل العمومي كان يمثل آلية مهمة لضمان العدالة بين المرشحين، كما كان يحد من تأثير المال الأجنبي والمحلي الفاسد، وبالتالي فإن غيابه قد يؤدي إلى عودة هذه الظواهر بشكل أكثر تعقيدًا.
خيبة أمل في الأوساط السياسية
وفي هذا السياق، عبّرت الناشطة الحقوقية التونسية آمنة الشابي عن خيبة أملها من هذه التعديلات، معتبرة أنه كان من الأجدر بالدولة تمويل الحملات الانتخابية، أسوة بالديمقراطيات المتقدمة، إلى جانب اتخاذ إجراءات صارمة لمحاسبة المتورطين في التمويل الأجنبي خلال الانتخابات السابقة.
وأضافت أن غياب المحاسبة يشجع على تكرار المخالفات، ويقوض الثقة في العملية الانتخابية، مشيرة إلى أن شريحة واسعة من التونسيين كانت تأمل في إصلاحات حقيقية تضمن الشفافية والنزاهة.
تداعيات محتملة على المشهد الانتخابي
ويرى مراقبون أن هذه التعديلات قد تؤثر سلبًا على مصداقية الانتخابات المقبلة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، كما قد تسهم في تراجع نسبة المشاركة الشعبية، في ظل فقدان الثقة في نزاهة العملية الانتخابية.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى مستقبل الانتخابات في تونس مرهونًا بمدى قدرة الجهات المعنية على ضبط مصادر التمويل، وتعزيز آليات الرقابة، بما يضمن حماية المسار الديمقراطي من أي اختراقات مالية أو سياسية.