في خطوة تعكس تصاعد القلق الأمني على الحدود السورية اللبنانية، كثّفت القوات الحكومية السورية انتشارها العسكري في المناطق الحدودية، بالتزامن مع اكتشاف شبكة أنفاق عابرة للحدود يُعتقد أنها كانت تُستخدم من قبل عناصر تابعة لحزب الله، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تجنب الانخراط في أي تصعيد إقليمي متصاعد.
وبحسب ما أفادت به مصادر ميدانية، عززت وزارة الدفاع السورية وجودها العسكري في المناطق الوعرة القريبة من الحدود مع لبنان، خاصة في ريف القصير بمحافظة حمص، حيث شوهدت جرافات تابعة للجيش السوري تقوم بإقامة سواتر ترابية، تتمركز خلفها آليات مدرعة، في إطار خطة لتأمين الشريط الحدودي.

كما نفّذت وحدات من الجيش عمليات تمشيط واسعة، استهدفت مناطق يُشتبه باحتوائها على ممرات سرية، في محاولة لإحكام السيطرة ومنع أي أنشطة غير قانونية عبر الحدود.
وفي هذا السياق، كشف مسؤول النقاط الحدودية السورية اللبنانية، محمد حمود، أن الجيش السوري تمكن من اكتشاف شبكة أنفاق تمتد بين الأراضي السورية واللبنانية، موضحًا أنها كانت تُستخدم في عمليات تهريب السلاح والمواد المخدرة.
وأكد المسؤول السوري أن عمليات التمشيط المستمرة أسفرت عن تحديد عدد من هذه الأنفاق، التي تمتد عبر مناطق جبلية وعرة، ما يجعل اكتشافها تحديًا لوجستيًا وأمنيًا كبيرًا.
وأشار قيادي ميداني في الجيش السوري إلى أن هذه الأنفاق كانت تُستخدم من قبل عناصر تابعة لحزب الله، وهو ما يعزز المخاوف بشأن استخدام الحدود في أنشطة غير مشروعة.
وبحسب المعاينة الميدانية، تم رصد ما لا يقل عن خمسة أنفاق تمتد بين الجانبين، بعضها يبدأ من داخل منازل مدنية، حيث يقود مدخل أحد الأنفاق من قبو منزل عبر درج إسمنتي إلى ممرات ضيقة ومظلمة، كانت تُستخدم للتنقل بين البلدين.
كما تبيّن أن بعض هذه الأنفاق كانت مجهزة بتجهيزات متقدمة، مثل أنظمة الإضاءة والتهوية، ما يشير إلى استخدامها لفترات طويلة وبشكل منظم.
ولوحظ وجود صور لشخصيات بارزة، من بينها الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، والقائد السابق لفيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، معلقة داخل بعض المواقع المرتبطة بمداخل الأنفاق.
وتُعد منطقة القصير في ريف حمص واحدة من أبرز النقاط الاستراتيجية في غرب سوريا، نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربط بين الداخل السوري والحدود اللبنانية، إضافة إلى كونها نقطة عبور رئيسية نحو منطقة البقاع في شرق لبنان.
وقد تحولت هذه المنطقة، منذ تدخل حزب الله عسكريًا في سوريا عام 2013، إلى مركز رئيسي لتمركزه، ما منحها أهمية مضاعفة في سياق الصراع الإقليمي.
ورغم هذه التحركات العسكرية، أكدت السلطات السورية أن هدفها الرئيسي يقتصر على ضبط أمن الحدود، ومنع عمليات التهريب، دون وجود نية للانخراط في أي عمليات عسكرية.
وفي هذا الإطار، شدد مصدر عسكري سوري على أن الانتشار الحالي يأتي ضمن "النطاق الطبيعي" للعمليات الدفاعية، مؤكدًا عدم وجود خطط لتنفيذ أي هجمات.
وأوضح أن التعزيزات تشمل مدرعات، ومدفعية، وآليات مزودة برشاشات، إلى جانب وحدات مشاة وكتائب استطلاع تعمل على مراقبة الأنشطة على طول الحدود.
ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراع بين إيران وإسرائيل، والذي امتد تأثيره إلى لبنان، حيث يخوض حزب الله مواجهات مع القوات الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، تسعى الحكومة السورية إلى النأي بنفسها عن هذا الصراع، خاصة في ظل الظروف الداخلية التي تمر بها البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب.
وكانت السلطات السورية قد أعلنت، في 28 مارس الماضي، اكتشاف نفق قرب إحدى القرى غرب حمص، مشيرة إلى أنه كان يُستخدم من قبل "مليشيات لبنانية" في عمليات التهريب، قبل أن يتم إغلاقه.
كما سبق أن استهدفت إسرائيل معابر حدودية بين سوريا ولبنان، في إطار محاولاتها لقطع خطوط الإمداد إلى حزب الله، وهو ما أدى إلى تدمير عدد من المواقع الحيوية في تلك المناطق.
وفي سياق متصل، شهدت العلاقات بين سوريا ولبنان تنسيقًا سياسيًا وأمنيًا لاحتواء أي تصعيد محتمل، حيث شدد الرئيس السوري أحمد الشرع، ونظيره اللبناني جوزيف عون، خلال اتصال هاتفي، على ضرورة ضبط الحدود، ومنع أي تجاوزات قد تؤدي إلى تفاقم الوضع.
وفي تصريحات حديثة، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن بلاده لا تنوي الانخراط في النزاع الإقليمي، ما لم تتعرض لهجمات مباشرة، مشددًا على أن سوريا دفعت ثمنًا باهظًا خلال السنوات الماضية، ولا ترغب في الدخول في صراعات جديدة.
وقال الرئيس السوري: "ما لم تتعرض سوريا لاستهداف مباشر من أي جهة، ستبقى خارج هذا الصراع"، في إشارة واضحة إلى تمسك دمشق بسياسة الحياد.
ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات الأمنية قائمة، في ظل الطبيعة الجغرافية المعقدة للحدود، وتعدد الأطراف الفاعلة، ما يجعل من الصعب تحقيق استقرار كامل في المنطقة.
ويرى محللون أن نجاح سوريا في ضبط حدودها مع لبنان سيعتمد على استمرار العمليات الأمنية، والتنسيق مع الجانب اللبناني، إلى جانب التهدئة الإقليمية الشاملة.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى الحدود السورية اللبنانية واحدة من أبرز بؤر التوتر في المنطقة، وسط ترقب لما قد تسفر عنه التحركات الحالية من نتائج على صعيد الأمن والاستقرار.