في تحرك دبلوماسي جديد يهدف إلى احتواء التوترات المتصاعدة في جنوب آسيا، تستضيف الصين جولة محادثات بين كل من باكستان وأفغانستان، في محاولة لاحتواء النزاع المتفاقم بين البلدين الجارين، والذي يُعد من أخطر الأزمات الإقليمية منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021.
وتأتي هذه المحادثات في وقت تشهد فيه الحدود الباكستانية الأفغانية حالة من التصعيد الأمني، حيث تحولت العلاقة بين البلدين من شراكة سياسية وأمنية إلى حالة من التوتر والاشتباكات المسلحة، ما أثار قلقًا دوليًا بشأن استقرار المنطقة.
وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية، في بيان رسمي، أن العاصمة الإقليمية أورومتشي، الواقعة في شمال غرب الصين، تستضيف هذه الجولة من المحادثات، والتي تجمع مسؤولين كبارًا من الجانبين الباكستاني والأفغاني.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية أن هذه اللقاءات تأتي في إطار جهود دبلوماسية مستمرة لخفض التصعيد، مشيرًا إلى أن إسلام آباد تنظر بإيجابية إلى الدور الصيني باعتباره عنصرًا مهمًا في دعم الاستقرار الإقليمي.

وأوضح المسؤول الباكستاني أن بلاده تثمّن التحركات الصينية، معتبرًا أن بكين تمثل "لاعبًا عالميًا مؤثرًا" قادرًا على تقريب وجهات النظر بين الطرفين، خاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تربطها بكل من باكستان وأفغانستان.
وبحسب مصادر مطلعة، تركز المحادثات الجارية على عدد من الملفات الحساسة، في مقدمتها التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإعادة فتح المعابر الحدودية بين البلدين، بما يسمح باستئناف الحركة التجارية والتنقل بين الجانبين.
وتُعد هذه القضايا من أبرز التحديات التي تواجه الطرفين، حيث أدت الاشتباكات المسلحة التي اندلعت في أكتوبر الماضي إلى إغلاق عدد من المعابر الحيوية، ما أثر بشكل مباشر على حركة التجارة والإمدادات، وزاد من معاناة السكان في المناطق الحدودية.
كما تسعى الأطراف المشاركة في المحادثات إلى وضع آليات مشتركة لضبط الحدود، ومنع تكرار الاشتباكات، إلى جانب تعزيز التعاون الأمني لمواجهة التهديدات المشتركة.
ويمتد الشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان لمسافة تصل إلى نحو 2600 كيلومتر، ويُعد من أكثر المناطق توترًا في العالم، نظرًا لتعقيداته الجغرافية والقبلية، فضلًا عن النشاط المتزايد للجماعات المسلحة.
وقد شهدت هذه الحدود تصعيدًا كبيرًا خلال الأشهر الماضية، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين قوات البلدين، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى من الجانبين، ما زاد من حدة التوتر وأثار مخاوف من انزلاق الوضع إلى صراع أوسع.
ويُعد هذا التصعيد الأخطر منذ سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان، وهو ما غيّر من طبيعة العلاقات بين البلدين، التي كانت تتسم سابقًا بدرجة من التعاون، خاصة في الملفات الأمنية.
وتتهم الحكومة الباكستانية حركة طالبان الأفغانية بإيواء عناصر من "تحريك طالبان باكستان"، وهي جماعة مسلحة تنشط داخل الأراضي الباكستانية، وتتهمها إسلام آباد بالوقوف وراء سلسلة من الهجمات التي استهدفت قوات الأمن ومناطق مدنية.
وفي المقابل، تنفي حركة طالبان الأفغانية هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكدة أن الوضع الأمني داخل باكستان يُعد شأنًا داخليًا، ولا علاقة لكابول به.
ويُشكل هذا الملف أحد أبرز نقاط الخلاف بين البلدين، حيث تصر باكستان على ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة ضد هذه الجماعات، بينما ترى أفغانستان أن الاتهامات الباكستانية تفتقر إلى الأدلة.
ويأتي التحرك الصيني في إطار سعي بكين لتعزيز دورها كوسيط دولي في النزاعات الإقليمية، خاصة في المناطق التي ترتبط بمصالح استراتيجية واقتصادية للصين، مثل جنوب آسيا.
وتحافظ الصين على علاقات وثيقة مع باكستان، تُعد من أقوى الشراكات في المنطقة، كما تسعى في الوقت ذاته إلى تطوير علاقاتها مع الحكومة الأفغانية الحالية، بما يخدم مشاريعها الاقتصادية، وعلى رأسها مبادرة "الحزام والطريق".
ويرى مراقبون أن نجاح الصين في تقريب وجهات النظر بين الطرفين قد يسهم في تخفيف حدة التوتر، ويفتح الباب أمام تسوية أوسع تشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية.
ورغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمحادثات، إلا أن هناك تحديات كبيرة قد تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي، في ظل انعدام الثقة بين الطرفين، واستمرار الاتهامات المتبادلة.
كما أن تعقيدات الوضع الميداني، وتعدد الأطراف المسلحة غير الحكومية، يجعل من الصعب فرض أي اتفاق على الأرض دون وجود آليات رقابة وتنفيذ فعالة.
ويؤكد محللون أن نجاح هذه الجولة من المحادثات يتوقف على مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات حقيقية، والعمل على بناء الثقة، إلى جانب استمرار الدعم الدولي والإقليمي لهذه الجهود.
وفي حال نجحت هذه المحادثات في تحقيق تقدم ملموس، فإن ذلك قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من العلاقات بين باكستان وأفغانستان، تقوم على التعاون بدلًا من الصراع.
كما قد يسهم ذلك في تحسين الأوضاع الإنسانية في المناطق الحدودية، التي تضررت بشكل كبير من النزاع، ويفتح المجال أمام استئناف المشاريع الاقتصادية المشتركة.
وفي المقابل، فإن فشل هذه الجهود قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة، ما يستدعي تدخلًا دوليًا أوسع لاحتواء الأزمة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الأنظار متجهة إلى أورومتشي، حيث تتواصل المحادثات بين الجانبين، وسط آمال حذرة في أن تسفر عن نتائج إيجابية تسهم في إنهاء أحد أكثر النزاعات تعقيدًا في جنوب آسيا.