دراسات وأبحاث

حرب الظل في غزة.. سباق محموم بين أجهزة التجسس الإسرائيلية وعمليات كشفها

الثلاثاء 31 مارس 2026 - 12:12 م
ابراهيم ياسر
الأمصار

تكثّف الأجهزة الأمنية التابعة للفصائل الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة جهودها في ملاحقة وكشف أجهزة تجسس إسرائيلية متطورة، تشمل كاميرات دقيقة وأجهزة تنصت عالية الحساسية قادرة على تسجيل الأصوات ضمن نطاق يصل إلى نحو 500 متر، مع إمكانية تحليل البصمات الصوتية للأشخاص المطلوبين لدى الجيش الإسرائيلي.

حرب غزة: مصر توقف ناشطين أجانب قبل انطلاق "المسيرة العالمية إلى غزة"، وحماس  تتهم إسرائيل بقطع الاتصالات بالقطاع - BBC News عربي

 ملاحقة وكشف أجهزة تجسس إسرائيلية متطورة

وبحسب مصادر من داخل هذه الفصائل، فإن إسرائيل تمكنت خلال فترات مختلفة، سواء عبر عملاء ميدانيين أو أثناء وجود قواتها داخل بعض مناطق القطاع، من زرع هذه الأجهزة في مواقع متعددة. 

وتشير التقديرات إلى أن هذه العمليات تمت بشكل تدريجي وعلى مراحل، مستفيدة من ظروف الحرب وحالة الفوضى التي رافقتها.

حتى وقت قريب، كانت عمليات تعقب هذه الأجهزة تتم بسرية تامة، إلا أن حادثة لافتة وقعت الأسبوع الماضي غيّرت هذا النهج. 

فقد انفجر أحد أجهزة التجسس بشكل مفاجئ بعد اكتشافه من قبل عناصر أحد الفصائل داخل مخيم للنازحين في منطقة دير البلح وسط القطاع.

 ولم تمضِ ساعات على الحادثة حتى استهدفت طائرة حربية إسرائيلية الموقع بصاروخين، في ما اعتُبر مؤشرًا على حساسية تلك الأجهزة وأهميتها الاستخباراتية.

حرب غزة: هل توقف صفقة مرتقبة بين إسرائيل وحماس عملية رفح البرية ؟ - BBC  News عربي

 اكتشاف عدد من هذه الأجهزة بأشكال وأنواع مختلفة

وأكدت مصادر ميدانية من عدة فصائل، من بينها «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، أنه تم خلال الأشهر الماضية اكتشاف عدد من هذه الأجهزة بأشكال وأنواع مختلفة. 

ووفقاً لأحد المصادر، فإن طرق زرع الأجهزة وتخفيها اختلفت من مكان إلى آخر؛ إذ تم اكتشاف بعضها خلال العمليات العسكرية، خصوصاً بعد اغتيال نشطاء ميدانيين، فيما عُثر على أجهزة أخرى في مراحل لاحقة، لا سيما بعد فترات من التهدئة أو وقف إطلاق النار.

وتتنوع هذه الأجهزة بين كاميرات مراقبة، وأجهزة تنصت صوتي، إلى جانب مجسات تقنية متقدمة.

وبعضها مزود بآليات تدمير ذاتي تُفعّل عند محاولة تفكيكه، أو بأنظمة إنذار ترسل إشارات فورية إلى مشغّليها، ما يسمح لهم بتدميرها عن بُعد أو تعطيلها قبل كشف أسرارها.

مختصون فنيون داخل الفصائل

ويرى مختصون فنيون داخل الفصائل أن غالبية الأجهزة التي تم ضبطها كانت مرتبطة بطائرات مسيّرة إسرائيلية، تُستخدم لنقل البيانات، سواء كانت صوراً أو تسجيلات صوتية، إلى غرف عمليات أمنية. كما رجّحت مصادر ميدانية أن بعض هذه الأجهزة يعتمد على تقنيات اتصال عبر الأقمار الصناعية لتأمين بث المعلومات، سواء بشكل مباشر أو بمساعدة متعاونين على الأرض.

أما فيما يتعلق بالأماكن التي عُثر فيها على هذه الأجهزة، فقد أوضحت المصادر أن بعضها وُجد داخل منشآت مدنية، من بينها مستشفيات سبق أن اقتحمتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب، مثل مجمع الشفاء الطبي. وأشارت إلى أن بعض الأجهزة أُخفيت بطرق معقدة، كزرعها داخل قطع حجرية أو في أثاث داخل أقسام طبية، وكانت تحتوي على كاميرات صغيرة عالية الدقة قادرة على التصوير لمسافات تصل إلى 800 متر.

آلاف المتظاهرين في تل أبيب يطالبون بإنهاء الحرب على غزة | سكاي نيوز عربية

وفي سياق متصل، كشف أحد المصادر عن جهاز تنصت متطور للغاية تم العثور عليه، حيث تبين أنه قادر على تسجيل الأصوات من مسافة تصل إلى 500 متر، مع إمكانية تحليلها للتعرف على هوية المتحدثين عبر بصماتهم الصوتية، وهو ما قد يساعد في تعقب أشخاص سبق أن خضعوا لتحقيقات أو تمت مراقبة اتصالاتهم.

 كشف بعض هذه الأجهزة

ولعبت عوامل طبيعية دوراً في كشف بعض هذه الأجهزة، إذ أشار مصدر إلى أن الأمطار ساهمت في فضح مواقع عدد منها، خصوصاً في مخيمات النازحين بمنطقة مواصي خان يونس، حيث أدت مياه الأمطار إلى إغراق الخيام وكشف أجهزة كانت مخفية بداخلها. كما تم العثور على أجهزة أخرى داخل صناديق خشبية مموهة أو على شكل حجارة، في محاولة لإخفائها ومنع اكتشافها.

ومع طول أمد الحرب، توصلت الفصائل إلى أن بعض الطائرات المسيّرة كانت تلقي أجهزة تجسس في مناطق تُوصف بأنها “ميتة أمنياً”، بهدف أن تصل لاحقاً إلى متعاونين يتولون تركيبها أو تفعيلها. كما تم اكتشاف أجهزة في شوارع عامة ومنازل مدمرة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق، تضمنت كاميرات حرارية وأدوات تسجيل متطورة كانت تُستخدم لرصد تحركات النشطاء.

وفي بعض الحالات، عُثر على أجهزة داخل حاويات أو جالونات بدت للوهلة الأولى كأنها مجرد نفايات أو خردة، لكنها في الحقيقة كانت تُستخدم لمراقبة أنشطة حساسة، من بينها عمليات تتعلق بتسليم أسرى إسرائيليين.

الحرب على غزة مباشر.. الاحتلال يقصف مستشفيات الشمال وإسرائيل تفشل أمام  مسيرات حزب الله | أخبار | الجزيرة نت

نشاط التجسس

وتؤكد هذه الوقائع أن نشاط التجسس لم يبدأ مع الحرب الأخيرة، بل يعود إلى سنوات سابقة. فقد أشار أحد المصادر إلى اكتشاف أجهزة تجسس داخل مكاتب فصائل ومنازل نشطاء، كانت مخفية داخل أجهزة راوتر أو شبكات كهرباء، وغالباً ما تم إدخالها عبر متعاونين استلموها ضمن شحنات تجارية.

وفي حادثة بارزة تعود إلى مايو (أيار) 2018، قُتل ستة من مهندسي «كتائب القسام» أثناء فحص جهاز تجسس، حيث أدى انفجاره إلى كشف ثغرات أمنية خطيرة، منها زرع أجهزة داخل شبكة الاتصالات الداخلية. وأعلنت «القسام» حينها أنها أحبطت واحدة من أخطر عمليات التجسس في القطاع.

وبعد نحو شهر ونصف من تلك الحادثة، تم اكتشاف جهاز تجسس آخر مخفي داخل حجر من الجرانيت، كان قد أُدخل إلى القطاع عبر أحد التجار بتوجيهات من المخابرات الإسرائيلية، بهدف نقله لاحقاً إلى موقع عسكري تابع لأحد الفصائل، قبل أن يتم كشفه بعد فترة قصيرة.

غزة بعد الحرب.. أهداف إسرائيلية ضبابية "بعيدة المنال"

تعكس هذه التطورات حجم الحرب الاستخباراتية الدائرة في قطاع غزة، والتي تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا المتقدمة، وأساليب التمويه المعقدة، إلى جانب العنصر البشري، ما يجعل مهمة كشف هذه الشبكات أكثر صعوبة وتعقيداً.