العراق

العراق.. القضاء: الإطار القانوني الحالي غير كافٍ لمواجهة الجريمة المنظمة

الإثنين 30 مارس 2026 - 02:24 م
عمرو أحمد
القضاء: الإطار القانوني
القضاء: الإطار القانوني الحالي غير كافٍ لمواجهة الجريمة

في ظل تصاعد أنماط الجريمة المنظمة وتعقّد شبكاتها داخل العراق وعبر حدوده، يواجه القضاء تحديات متزايدة في ملاحقة جماعات إجرامية تتسم بالهيكلية والتنظيم والامتداد الدولي.

الإطار القانوني الحالي غير كافٍ لمواجهة الجريمة المنظمة

وأوضح قاضي محكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة وغسل الأموال، القاضي أحمد محمد، في تصريح لصحيفة القضاء وتابعته وكالة الانباء العراقية (واع)، أن "الجريمة المنظمة تمثل نشاطاً إجرامياً تمارسه جماعة ذات هيكل تنظيمي مستمر، تتوزع فيه الأدوار وتُدار من خلال قيادة واضحة، وغالباً ما تلجأ إلى استخدام شركات واجهة كغطاء قانوني لإخفاء أنشطتها".

وبيّن أن "من أبرز صورها الاتجار بالمخدرات والبشر، وغسل الأموال، والفساد المالي، فضلاً عن الجرائم السيبرانية".

وأشار إلى أن "المنظومة القانونية الحالية تفتقر إلى أدوات متكاملة لمواجهة هذا النوع من الجرائم، لاسيما في ما يتعلق بالمصادرة الموسعة، والتحقيقات المالية المعمقة، وحماية الشهود"، مؤكداً "الحاجة إلى تشريع قانون خاص يضع تعريفاً دقيقاً للجماعة الإجرامية المنظمة، وينظم أساليب التحري الحديثة كالمراقبة والاختراق".

وبيّن أن "القضاء يمتلك بعض الوسائل لملاحقة الشركات الواجهة، من خلال تفعيل مبدأ المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، ورفع السرية المصرفية، والتنسيق مع الجهات الرقابية كهيئة النزاهة والبنك المركزي، فضلاً عن التعاون الدولي لتتبع الأصول خارج العراق، لإثبات استخدام هذه الشركات كأدوات لتمرير النشاط الإجرامي".

وأكد أن "إنشاء هيئات قضائية متخصصة يُعد ضرورة تفرضها طبيعة هذه الجرائم، لما تتطلبه من خبرة دقيقة وسرعة في الفصل وتوحيد للاجتهاد القضائي، على أن تكون ضمن هيكل القضاء العادي ولكن بتخصص نوعي".

وفي ما يتعلق بالتحديات الدولية، أشار إلى أن "ملاحقة الرؤوس المدبرة خارج العراق تواجه عوائق قانونية، من بينها غياب اتفاقيات تسليم المجرمين في بعض الحالات، وازدواج الجنسية، واشتراط مبدأ التجريم المزدوج، وهي عوامل تستدعي تعزيز التعاون الدبلوماسي والقضائي".

ولفت إلى أن "تصنيف العراق المرتفع نسبياً في مؤشر الجريمة المنظمة يرتبط بجرائم تهريب المخدرات والنفط والفساد، ما يستدعي إصلاحاً تشريعياً شاملاً، وتفعيل أدوات المصادرة، وتعزيز الشفافية المالية، وتوسيع نطاق التعاون الدولي".

وشدد على أن "خطورة الجريمة المنظمة لا تقتصر على بنيتها الإجرامية، بل تمتد أحياناً إلى ارتباطها بجهات نافذة، الأمر الذي يستوجب توفير حماية أمنية مشددة للقضاة، إلى جانب ضمانات وظيفية قوية وتجريم أي محاولات للتأثير على القضاء، مع التأكيد على أن الحماية يجب أن تكون مؤسسية وليست حصانة مطلقة، فضلاً عن أهمية حماية الشهود وسرية الإجراءات عند الضرورة".

من جانبه، أكد رئيس محكمة جنايات الكرخ حيدر ناجي في تصريح لصحيفة القضاء وتابعته وكالة الانباء العراقية (واع)، أن "الجريمة المنظمة تتخذ صوراً متعددة، في مقدمتها الاتجار بالبشر وتهريبهم، حيث تنشط شبكات تستغل الضحايا في العمل القسري أو الاستغلال الجنسي أو التسول، إلى جانب جرائم تهريب وتجارة المخدرات التي تديرها شبكات إجرامية داخل البلاد وخارجها".

وأضاف أن "هذه الجرائم تمتد لتشمل تجارة السلاح غير المرخص، والابتزاز والاحتيال، والتجارة غير المشروعة بالسلع المقلدة، وتزييف العملات، وغسل الأموال، فضلاً عن السرقات الكبرى التي تنفذها شبكات منظمة ذات تنسيق عالٍ".

وبيّن أن "التشريعات العراقية الحالية، وعلى رأسها قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، تفتقر إلى تعريف متكامل للجماعة الإجرامية المنظمة، كما تخلو من أدوات إجرائية وتقنيات تحرٍ متقدمة لمواجهة هذا النوع من الجرائم".

وأوضح أن "القوانين الخاصة، مثل قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والاتجار بالبشر والمخدرات، تعالج جرائم محددة، لكنها لا توفر إطاراً قانونياً موحداً يعالج الجريمة المنظمة ككيان مستقل".

وأشار إلى أن "الإطار القانوني الحالي يتسم بالتجزئة، إذ يركز على النتائج الإجرامية من دون معالجة البنية التنظيمية لهذه الشبكات، التي تتميز بالهرمية أو الشبكية والاستمرارية والتخصص وتقسيم الأدوار، فضلاً عن طابعها العابر للحدود، وهو ما يستدعي تشريع قانون مستقل على غرار ما نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (اتفاقية باليرمو)، التي انضم إليها العراق".

وأوضح أن "العديد من الدول، مثل إيطاليا وفرنسا ومصر والإمارات، اتجهت إلى سن قوانين خاصة لمكافحة الجريمة المنظمة، بعد أن أثبتت القوانين التقليدية قصورها في مواجهة العصابات الحديثة".

وفي ما يتعلق بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، أشار إلى أن "القانون العراقي أقر هذا المبدأ، ما يتيح ملاحقة الشركات التي تُرتكب الجرائم باسمها أو لحسابها، إلا أن التطبيق العملي غالباً ما يركز على الأفراد دون الكيانات، ما يضعف من فاعلية الردع".

وأكد أن "القضاء يمتلك أدوات لملاحقة الشركات الواجهة، لكنها تظل مبعثرة وغير كافية، ما يعزز الحاجة إلى إطار تشريعي متكامل".

ودعا إلى "إنشاء محاكم متخصصة ضمن المناطق الاستئنافية، نظراً لتعقيد هذه الجرائم وتشعبها، وما تتطلبه من فهم عميق للأدلة المالية والتحليلية والتعاون الدولي، فضلاً عن دورها في توحيد الاجتهاد القضائي".

ولفت إلى أن "الجريمة المنظمة شهدت توسعاً ملحوظاً في العراق خلال الفترة بين عامي 2006 و2014، مع تصاعد نشاط غسل الأموال وظهور الشركات الواجهة وازدياد ارتباطها بالفساد الإداري".

وفي ما يتعلق بالتحديات، أوضح أن "ملاحقة الرؤوس المدبرة خارج البلاد تواجه صعوبات حقيقية، لاسيما مع اعتماد هذه الشبكات على وسطاء وعدم ظهور قادتها بشكل مباشر، ما يتطلب تطوير التشريعات بما يتوافق مع المعايير الدولية، وإعداد ملفات تحقيق احترافية، وتفعيل اتفاقية باليرمو بشكل عملي".

وأشار إلى أن "تحسين تصنيف العراق في مؤشر الجريمة المنظمة يتطلب تعزيز الإطار التشريعي، وتطوير قدرات المحاكم والجهات التحقيقية، خاصة في مجالات الجرائم السيبرانية وغسل الأموال، إلى جانب توسيع اتفاقيات التعاون الدولي وتبادل المعلومات وتسليم المجرمين".

وأكد أن "مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما تمتلكه من امتدادات مالية وأمنية، تتطلب حماية فعالة للقضاة، باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة المواجهة، في ظل خطورة هذه الشبكات وطبيعتها الإجرامية المعقدة".