تشهد ولاية النيل الأزرق في السودان تصعيدًا عسكريًا خطيرًا يفتح جبهة قتال جديدة على الحدود مع إثيوبيا، في تطور ينذر باتساع رقعة النزاع وتعقيد المشهد الأمني في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات محتملة على الاستقرار الإقليمي.
وبحسب مصادر ميدانية، تصاعدت وتيرة المواجهات عقب سيطرة قوات "الدعم السريع" المتحالفة مع الحركة الشعبية/ شمال (فصيل جوزيف توكا) على مدينة الكرمك الاستراتيجية، الواقعة قرب الحدود الإثيوبية، ما دفع الجيش السوداني إلى تكثيف غاراته الجوية والمسيرة لاستعادة السيطرة على المدينة ومحيطها.
وتعد مدينة الكرمك نقطة محورية في الصراع، نظرًا لموقعها الحيوي الذي يربط السودان بإثيوبيا، فضلًا عن قربها من خزان الروصيرص، أحد أهم الموارد الاستراتيجية في البلاد لتوليد الكهرباء وتنظيم تدفقات مياه النيل الأزرق، الأمر الذي يمنحها أهمية عسكرية واقتصادية كبيرة.
في المقابل، اتهمت الحكومة السودانية نظيرتها الإثيوبية بالتورط غير المباشر في النزاع، من خلال السماح لقوات "الدعم السريع" باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق للهجمات، خاصة من منطقة أصوصا بإقليم بني شنقول، وهو ما نفته أديس أبابا بشكل رسمي.
وأكد مسؤولون في الجيش السوداني أن رصدًا جويًا عبر الأقمار الاصطناعية كشف وجود معسكرات تدريب لقوات "الدعم السريع" داخل الأراضي الإثيوبية، مشيرين إلى نقل عناصر مسلحة إلى تلك المعسكرات لتلقي تدريبات قبل الدفع بهم إلى جبهات القتال في النيل الأزرق.
ميدانيًا، واصلت قوات "الدعم السريع" تقدمها نحو مدينة الدمازين عاصمة الإقليم، بعد السيطرة على عدة مناطق في محافظة باو، فيما أعلنت نيتها مواصلة الزحف لتوسيع نطاق سيطرتها جنوب وشرق وغرب المدينة، في محاولة للسيطرة على كامل الإقليم.
وفي مواجهة ذلك، كثف الجيش السوداني من عملياته العسكرية، حيث أعلن تنفيذ ضربات نوعية ألحقت خسائر كبيرة في صفوف القوات المعادية، مؤكدًا استعادة زمام المبادرة في بعض المحاور، مع استمرار العمليات بوتيرة متصاعدة.

وفي ظل هذا التصعيد، عقدت لجنة الأمن في إقليم النيل الأزرق اجتماعًا برئاسة حاكم الإقليم الفريق أحمد العمدة بادي، حيث أكدت السلطات استمرار سيطرة الجيش على الأوضاع العامة، مع اتخاذ تدابير أمنية مشددة، شملت تعديل ساعات حظر التجوال وحظر استخدام الدراجات النارية داخل الإقليم.
إنسانيًا، أدت المواجهات إلى موجة نزوح واسعة، حيث فرّت آلاف الأسر من مناطق القتال، خاصة من مدينة الكرمك والمناطق المجاورة، في ظل ظروف إنسانية صعبة، مع نقص حاد في الغذاء والمأوى والخدمات الصحية، بينما لجأ بعض المدنيين إلى داخل الأراضي الإثيوبية هربًا من الاشتباكات.
كما تسببت التطورات الأمنية في تعطيل الأنشطة الزراعية والتجارية، وإغلاق طرق رئيسية، ما فاقم من معاناة السكان المحليين، في وقت تعمل فيه منظمات إنسانية على تقديم الدعم العاجل للنازحين.
ويرى محللون عسكريون أن فتح جبهة جديدة في النيل الأزرق يمثل تحولًا استراتيجيًا في مسار الحرب، إذ قد يؤدي إلى عزل الإقليم عن ولايات شرق السودان، وقطع خطوط الإمداد الحيوية عن الجيش، ما يضعه أمام تحديات عسكرية معقدة.
كما حذر خبراء من أن استمرار التوتر على الحدود السودانية الإثيوبية قد يدفع نحو مواجهة مباشرة بين البلدين، خاصة في ظل حساسية المنطقة المرتبطة بملفات استراتيجية مثل سد النهضة والأمن المائي.
وفي السياق ذاته، لم تستبعد تحليلات تدخل أطراف إقليمية في الصراع، لا سيما مصر، التي تراقب التطورات عن كثب، نظرًا لتأثيرها المحتمل على الأمن القومي ومصالحها المرتبطة بمياه النيل.
ويؤكد مراقبون أن استمرار المعارك بالقرب من منشآت حيوية مثل خزان الروصيرص قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، ليس فقط على السودان، بل على المنطقة بأكملها، في حال خروج الأوضاع عن السيطرة.