دراسات وأبحاث

صرمان تحت النار.. اشتباكات مسلحة تهز غرب ليبيا وتعيد شبح الفوضى (ماذا يحدث)؟

السبت 28 مارس 2026 - 12:19 ص
جهاد جميل
الأمصار

شهدت مدينة صرمان، الواقعة غرب ليبيا، ليلة دامية على وقع اشتباكات مسلحة عنيفة بين مجموعات مليشياوية متنافسة، في تصعيد أمني يعكس هشاشة الوضع في المنطقة الغربية. 

وقال شهود عيان ومصادر محلية إن الاشتباكات اندلعت في منطقة الأنقار، بين عناصر مسلحة بقيادة المليشياوي نوري الرتيمي، المنسوب إلى الكتيبة 103 والمعروفة بـ"كتيبة السلعة"، وبين عناصر أخرى تابعة لما يُعرف بـ"جهاز دعم الاستقرار".

وتشهد المنطقة حالياً انتشاراً مسلحاً مكثفاً، مع استخدام واسع للأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إلى جانب قذائف RPG، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين، دون صدور حصيلة رسمية حتى هذه اللحظة.

وأكد متابعون ونشطاء أن استمرار هذه الاشتباكات داخل الأحياء السكنية يُشكل خطراً مباشراً على المدنيين، داعين السلطات والمجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لاحتواء التصعيد. كما ناشد مواطنون السكان توخي الحذر والابتعاد عن مناطق الاشتباكات حفاظاً على سلامتهم، في ظل غياب أي مؤشرات على تهدئة وشيكة.

 

هشاشة الأمن وانفلات السلاح

تعد ليبيا واحدة من أكثر دول العالم هشاشة أمنياً بعد سقوط نظام معمر القذافي في 2011، حيث تشير تقديرات محلية ودولية إلى وجود أكثر من 29 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة، ما أدى إلى تفشي العنف والفوضى في مناطق عديدة، خصوصاً في غرب البلاد حيث تسيطر تشكيلات مسلحة متنافسة على الأرض.

ويرى خبراء أن استمرار انتشار هذه المليشيات وامتلاكها للأسلحة الثقيلة والمتوسطة يجعل أي محاولة لاستعادة الاستقرار صعبة ومعقدة، خصوصاً أن هذه المجموعات تسعى للسيطرة على موارد المدينة وفرض نفوذها العسكري والسياسي في الوقت ذاته.

وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات المحلية والدولية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل برامج نزع السلاح وإعادة دمج المسلحين في المجتمع، كخطوة أساسية لوقف نزيف الدم واستعادة الاستقرار المفقود.

 

تأثير الاشتباكات على المدنيين

حذّر سكان صرمان من تداعيات استمرار هذه الاشتباكات على المدنيين، مشيرين إلى أن المنازل والمدارس والأسواق أصبحت أهدافاً عرضية للصراع المسلح، وسط تزايد الخوف والقلق بين الأهالي. وقالت مصادر محلية إن العديد من العائلات لجأت إلى إخلاء مناطقها خوفاً من التصعيد، فيما اضطر آخرون للبقاء داخل المنازل بحذر شديد، مع غياب أي تدخل حكومي فاعل.

 

وتشير الشهادات إلى أن المستشفيات المحلية استقبلت عددًا من الجرحى نتيجة إطلاق النار العشوائي، إلا أن القدرة على تقديم الرعاية الطبية محدودة بسبب الوضع الأمني المتدهور وانتشار القوات المسلحة غير النظامية في الشوارع.

 

التاريخ الطويل للنزاع

لم تكن ليلة صرمان الأخيرة مفاجئة بالكامل، إذ أن المدينة تشهد بين الحين والآخر مواجهات بين مجموعات مسلحة متنافسة، خصوصاً بين "كتيبة السلعة" و"جهاز دعم الاستقرار"، اللذين يسعيان للسيطرة على مناطق استراتيجية وتجارية.

ويرى محللون أن التوتر في صرمان مرتبط بالتنافس على موارد المدينة، بالإضافة إلى ضعف وجود الدولة، ما يتيح لهذه المليشيات حرية التحرك وإشعال الصراعات المسلحة دون محاسبة.

ويأتي هذا التصعيد بعد سلسلة حوادث مماثلة شهدتها مدن غرب ليبيا خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك تفجيرات وعمليات خطف، ما يضع المنطقة في دائرة خطرة من الفوضى المستمرة.

دعوات دولية للتهدئة

في ظل هذه الأحداث، دعا مراقبون دوليون، بينهم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى ضرورة ضبط الوضع قبل أن يتفاقم، مؤكدين أن استمرار النزاع سيؤدي إلى مأساة إنسانية جديدة، ويزيد من هشاشة الوضع الأمني في الغرب الليبي.

وقال مسؤول أممي إن "الاشتباكات المسلحة بين المليشيات تشكل تهديداً مباشراً على المدنيين، كما تعرقل جهود الحكومة في تحقيق الأمن والاستقرار"، مضيفاً أن "هناك حاجة ماسة لتدخل عاجل لإعادة السيطرة على الوضع قبل أن تتدهور الأوضاع الإنسانية أكثر".

كما شددت منظمات محلية على أهمية تفعيل برامج نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين، بالإضافة إلى تعزيز وجود الدولة في مناطق النزاع، لضمان أمن المدنيين وحماية البنية التحتية الأساسية.

الطريق إلى الاستقرار

يرى خبراء أن وقف النزاع في صرمان يتطلب خطوات عملية تشمل:

  1. حصر السلاح بيد الدولة وتفعيل برامج نزع السلاح من المليشيات.
  2. إعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني أو المؤسسات الحكومية الشرعية.
  3. تعزيز وجود الدولة في المناطق الساخنة لضمان حماية المدنيين.
  4. تفعيل آليات المراقبة الدولية لمراقبة تنفيذ اتفاقات التهدئة.

ويؤكد هؤلاء أن أي تأخير في اتخاذ هذه الإجراءات سيجعل من صرمان نموذجاً آخر للفوضى التي تعم مناطق الغرب الليبي، وقد يشجع المليشيات الأخرى على تصعيد أعمالها.

 

ليبيا، بعد 15 عاماً من سقوط نظام القذافي، ما زالت تعيش حالة من الانفلات الأمني وانتشار المليشيات، وهو ما يظهر بوضوح في اشتباكات صرمان الأخيرة. ومع استمرار الصراع، يبقى المدنيون الأكثر تضرراً، وسط دعوات محلية ودولية عاجلة للحد من هذه الأزمة، واستعادة الدولة لدورها كضامن للأمن والاستقرار.

وإذا لم تتخذ خطوات فعالة وسريعة، فإن الليل الدموي في صرمان قد يكون مقدمة لفصول جديدة من النزاع المسلح في مدن الغرب الليبي، مع انعكاسات مباشرة على حياة المدنيين وأمن البلاد بشكل عام.