تشهد الساحة السياسية في ألمانيا تحولات لافتة قبيل الانتخابات الإقليمية المرتقبة، مع سعي قادة حزب البديل من أجل ألمانيا إلى إعادة ضبط علاقاتهم الدولية، خاصة مع دونالد ترامب.
ويأتي هذا التحول في ظل تداعيات الحرب على إيران وتزايد الجدل حول سياسات واشنطن الخارجية، إلى جانب قضايا أخرى مثل التعامل مع رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.
ابتعاد محسوب عن ترامب
في خطوة تعكس قراءة دقيقة للمشهد السياسي، بدأ قادة حزب البديل من أجل ألمانيا الابتعاد بشكل تدريجي عن الظهور العلني إلى جانب دونالد ترامب، رغم استمرار بعض قنوات التواصل غير المعلنة.
ويبدو أن هذا التوجه ليس قطيعة كاملة، بل إعادة تموضع تكتيكية تهدف إلى تقليل الكلفة السياسية داخليًا.
وقد برز هذا التوجه بشكل واضح في برلين، حيث تم تقليص أنشطة ولقاءات كانت مقررة بين قيادات الحزب ومسؤولين أمريكيين.
وتشير تقارير إلى أن زعيمة الحزب أليس فايدل دعت كبار النواب إلى تقليل الزيارات الرسمية إلى الولايات المتحدة، خصوصًا تلك التي تهدف إلى تعزيز العلاقات مع التيار الجمهوري المؤيد لترامب.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى قيادة الحزب بأن الارتباط الوثيق بإدارة ترامب قد يتحول إلى عبء انتخابي في ظل تغير المزاج الشعبي الألماني.
تغير المزاج الشعبي في ألمانيا
تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع الثقة الألمانية في الولايات المتحدة إلى مستويات منخفضة غير مسبوقة، حيث يرى عدد محدود فقط من الألمان أن واشنطن شريك موثوق.
ويرتبط هذا التراجع بشكل مباشر بالمواقف الأمريكية الأخيرة، خاصة الضربات العسكرية على إيران.
في هذا السياق، وجد حزب البديل من أجل ألمانيا نفسه أمام معادلة صعبة: فمن جهة، يسعى إلى الحفاظ على علاقاته الدولية، ومن جهة أخرى، يواجه ضغطًا داخليًا لعدم الظهور بمظهر المؤيد لسياسات خارجية لا تحظى بشعبية.
وقد دفع ذلك قادة الحزب إلى اتخاذ مواقف علنية تنتقد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، محذرين من أن زعزعة الاستقرار في المنطقة لا تخدم المصالح الألمانية، بل قد تؤدي إلى تداعيات أمنية واقتصادية سلبية.
تداعيات قضايا إيران ومادورو
لم تكن الحرب على إيران العامل الوحيد في إعادة تشكيل موقف الحزب، بل لعبت أيضًا تصريحات ومواقف دونالد ترامب بشأن قضايا دولية أخرى دورًا مهمًا. ومن بينها الحديث عن السيطرة على جرينلاند، إضافة إلى مواقف تتعلق برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.
وقد ساهمت هذه القضايا في تعزيز صورة سلبية عن الإدارة الأمريكية لدى الرأي العام الألماني، ما دفع حزب البديل إلى إعادة تقييم مدى جدوى الارتباط العلني بهذه السياسات.
كما أن الحزب، الذي يُعرف بمواقفه النقدية للتدخلات العسكرية، وجد نفسه مضطرًا إلى التماشي مع هذا المزاج الشعبي، خاصة في المناطق الشرقية من ألمانيا، حيث يسود قدر أكبر من التشكيك في السياسات الأمريكية، إلى جانب تعاطف نسبي مع روسيا.
حسابات انتخابية معقدة
تأتي هذه التحركات في وقت يتصدر فيه حزب البديل من أجل ألمانيا استطلاعات الرأي في بعض الولايات، ما يعزز طموحاته للوصول إلى السلطة لأول مرة منذ تأسيسه عام 2013.
ويحاول الحزب استثمار هذا الزخم الانتخابي، خصوصًا في الولايات الشرقية، حيث يتمتع بقاعدة شعبية قوية. إلا أن هذا التقدم يفرض عليه في الوقت ذاته تبني خطاب أكثر توازنًا، لتجنب إثارة مخاوف الناخبين المترددين.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الابتعاد عن دونالد ترامب يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين صورة الحزب وتقديمه كخيار سياسي قادر على الحكم، وليس مجرد حركة احتجاجية.
التواصل مستمر خلف الكواليس
رغم هذا الابتعاد الظاهري، لا يعني ذلك أن الحزب قطع علاقاته مع التيار الجمهوري في الولايات المتحدة. بل تشير المعطيات إلى استمرار التواصل، وإن بشكل أقل علنية.
فالحزب لا يزال يرى في هذه العلاقات مصدر دعم محتمل، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، خاصة في ظل محاولاته كسر العزلة المفروضة عليه من قبل الأحزاب التقليدية في ألمانيا.
وتُظهر بعض الفعاليات التي تُعقد في برلين، بمشاركة مسؤولين أمريكيين، أن هناك رغبة في الحفاظ على قنوات الحوار، مع التركيز على القواسم المشتركة مثل القيم الثقافية والتعاون الاقتصادي.
صراع مع المؤسسة السياسية الألمانية
يواجه حزب البديل من أجل ألمانيا تحديًا كبيرًا يتمثل في ما يُعرف بـ"الجدار العازل"، وهو اتفاق غير مكتوب بين الأحزاب الرئيسية على عدم التعاون مع الحزب اليميني المتطرف.
وفي هذا السياق، يسعى الحزب إلى الضغط على القوى المحافظة، خاصة تلك المرتبطة بالمستشار فريدريش ميرتس، من أجل كسر هذا الحاجز والسماح له بالمشاركة في الحكم.
لكن هذا الهدف يتطلب من الحزب تقديم نفسه بشكل أكثر اعتدالًا، وهو ما يفسر جزئيًا محاولاته النأي بنفسه عن شخصيات وسياسات مثيرة للجدل على الساحة الدولية.
موقف أيديولوجي معقد
رغم التحولات الأخيرة، لا يزال حزب البديل من أجل ألمانيا يحتفظ بجذوره الأيديولوجية التي تتسم بانتقاد النفوذ الأمريكي في أوروبا. وقد عبّرت أليس فايدل في مناسبات سابقة عن هذا الموقف بوضوح، معتبرة أن ألمانيا تعتمد بشكل مفرط على الولايات المتحدة.
كما يؤكد الحزب رفضه للمشاركة في حروب خارجية تخدم ما يراه مصالح أمريكية، وهو موقف يتماشى مع توجهاته القومية ويجد صدى لدى جزء من الناخبين.
ومع ذلك، يحاول الحزب الموازنة بين هذا الخطاب وبين الحاجة إلى بناء علاقات دولية تخدم مصالحه السياسية، ما يجعله يسير على خيط رفيع بين الاستقلالية والتعاون.
مستقبل العلاقات عبر الأطلسي
تعكس هذه التطورات حالة من إعادة التشكيل في العلاقات السياسية عبر الأطلسي، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل أيضًا بين الأحزاب والتيارات السياسية.
وفي ظل استمرار التوترات الدولية، من الحرب في إيران إلى الأزمة في فنزويلا، يبدو أن الأحزاب الأوروبية باتت أكثر حذرًا في تحديد مواقفها من الولايات المتحدة، خاصة عندما تكون هذه المواقف مرتبطة بحسابات داخلية حساسة.
في النهاية، يواجه حزب البديل من أجل ألمانيا اختبارًا حقيقيًا لقدراته السياسية، حيث يتعين عليه تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على هويته الأيديولوجية، والاستجابة لمتطلبات الواقع السياسي المتغير. وبينما تقترب الانتخابات، ستكشف الأيام المقبلة مدى نجاح هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافه، أو ما إذا كانت ستؤدي إلى نتائج عكسية تعيد تشكيل موقعه في المشهد السياسي الألماني.