في ظل التصعيد المتواصل للحرب مع إيران، تتجه دول عربية عدة إلى إعادة تقييم تحالفاتها الإقليمية والدولية، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية، وسط بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد.
ووفق تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنتريست"، يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط أرمن محموديان أن الضربات الصاروخية الإيرانية على دول الجوار قد تدفع هذه الدول إلى مراجعة علاقاتها مع الولايات المتحدة، سواء عبر تعزيزها أو إعادة ضبطها بما يتماشى مع التحديات الراهنة.
وكان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث قد صرح في وقت سابق بأن الهجمات الإيرانية تمثل "خطأ استراتيجياً فادحاً"، مشيراً إلى أنها تكشف طبيعة التهديد الذي تمثله طهران، وتؤكد ضرورة عدم الاعتماد على سياسة التهدئة لتجنب التصعيد.
يرى محللون أن استمرار الهجمات الإيرانية يعكس رؤية استراتيجية من جانب طهران، تقوم على ممارسة ضغوط غير مباشرة على خصومها، خاصة عبر التأثير على أسواق الطاقة العالمية، وتهديد الملاحة في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز.
وبحسب التقرير، فإن إيران، في ظل عدم قدرتها على مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تلجأ إلى أدوات اقتصادية وأمنية لخلق حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، ما يفرض تكاليف غير مباشرة على خصومها.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي إلى تقويض سنوات من التقارب الدبلوماسي بين إيران ودول الخليج، خاصة بعد اتفاقات سابقة شملت السعودية والإمارات، والتي شهدت تحسناً ملحوظاً في العلاقات قبل اندلاع الأزمة الحالية.

ويطرح التقرير عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقات العربية مع الولايات المتحدة. أول هذه السيناريوهات يتمثل في تعزيز التحالف القائم، حيث قد تدفع التهديدات الإيرانية الدول العربية إلى توسيع تعاونها العسكري مع واشنطن، باعتبارها القوة الأكثر قدرة على توفير الحماية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تقليل الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة، دون قطع العلاقات السياسية أو الاقتصادية، في محاولة لتجنب الانخراط المباشر في صراعات إقليمية قد تجعل هذه الدول أهدافاً للرد الإيراني.
ويبرز أيضاً خيار ثالث يتمثل في تنويع الشراكات الدولية، سواء عبر التوجه شرقاً نحو الصين وروسيا، أو من خلال تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول العربية نفسها، بما يشبه إنشاء منظومة أمنية مشتركة.
لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى التأثير على اقتصادات دول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على الاستقرار لجذب الاستثمارات والسياحة. وتشير تقارير إلى مغادرة بعض المستثمرين والمغتربين مراكز اقتصادية مثل دبي، نتيجة تزايد المخاطر.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في خريطة التحالفات الإقليمية، خاصة إذا استمرت الحرب في فرض تكاليف اقتصادية وأمنية متزايدة على الدول العربية.