بدأ النظام السياسي الدولي في مراحله التاريخية بالتطور منذ عقد معاهدة وستفاليا من عام 1648م، حيث شكلت هذه المعاهدة المنطلق التاريخي من النظام السياسي الدولي الذي تبلورت معالمه وتحدد إطاره، وكذلك معاهدة فرساي عام 1919م، وقد كانت لهذه المعاهدة الأخيرة التأثير الواضح في النظام العالمي من خلال إصلاح عمل الكنيسة وعدم تدخل البابا في شؤون الدولة، وكذلك نجحت في وضع معايير وأسس مفهوم الدولة المعاصرة.
لقد أقرت معاهدة وستفاليا بمبدأ السيادة التي نصت على احترام الحدود الجغرافية لباقي الأطراف وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، حينها ولدت قارة أوربا العصرية المؤلفة من عدد من الدول ذات السيادة وأصبحت فرنسا بموجب هذه المعاهدة قوة عظمى وحازت هولندا وسويسرا كلاهما على الاستقلال. في الوقت نفسه أن هذه المعاهدة انعكست على ألمانيا التي دمرتها الحرب، وباتت بعض الدول تتحكم إلى حد بعيد بمصير ألمانيا.
مما لا شك فيه إن الأزمة العالمية الحالية يمكن أن تؤدي بسهولة إلى الخلط بين القيم، فالأصدقاء يتغيرون والحلفاء يصبحون أعداء والآراء يساء فهمها، ووراء كل هذا يقف شبح الفوضى والعدمية، أما استعراض العضلات فعندنا منها ما يكفي. فلا عجب إذا تعذر علينا أن نُكون صورة واضحة عن المسائل التي تنطوي عليها الأزمة العالمية الحالية والتي تأصلت جذورها بالتدريج منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين ومن ثم تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء حلف وارشو.
بالتالي ولادة المشهد الحالي هو العالم (الجديد) المحكوم بالرؤى والممارسات الأحادية للنظام الدولي في طوره الأمريكي.
لقد هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية وتربعت على قمة النظام السياسي الدولي بعد الحرب الباردة، لاسيما إن الولايات المتحدة تتمتع بوجود عدد كبير من مراكز الدراسات الاستراتيجية ومعاهد للبحوث السياسية التي دأبت على إعداد تقارير إستراتيجية تقدم عرضا مفصلا للمواقف الدولية، وتوضح الطريق لدى صانع القرار الأمريكي في كيفية بقاء الولايات المتحدة وتفردها على قمة الهرم الدولي، حيث تركزت أفكارهم على بقاء الولايات المتحدة منفردة ومهيمنة على النظام الدولي والسعي لمنع أية قوة دولية معادية من الصعود إلى قمة النظام الدولي ومن ثم مزاحمة الولايات المتحدة عليها. هذه المجموعة كان لها دور في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أثناء مدة ولايتي الرئيس بوش الابن ولاسيما حربي أفغانستان عام 2001 والعراق 2003. حيث أن كل هذه الأمور كانت تشكل بدورها مرجعية فكرية يعتمدها صانع القرار في سياسته الخارجية على صعيد النظام الدولي، ومن ثم بقاء القطبية الأحادية بصورتها الأمريكية مهيمنة على النظام الدولي.
في السياق ذاته، كانت ومازالت عبادة الحروب تلقى تأييدا فعالا من مدرسة الفلسفة التي تمجد الإرادة والقوة، وأكبر معضد لهذه المدرسة هو الفيلسوف (نيتشة) التي في رأيه أن القوة الوحيدة الحقيقية هي إرادة القوة، وإن مبادئ الحق والعدالة الدولية والمساواة وحقوق الإنسان في العالم وغيرها، ماهي إلا آلات بيد القوى العالمية، تلك القوى التي تحب الحرب والتهور ويسمو الشر على الخير عندها، وهي ذات القوى التي تكره السلم والأمن والديمقراطية والبرجوازية والماركسية والقومية.
لقد هدمت القوى العظمى والتي يطلق عليها (الإمبريالية الجديدة) قيم النظام السياسي الدولي، ذلك لأن قيم النظام السياسي الدولي حاليا تقوم على التحكم المطلق في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، عليه فإن الكارثة والاضطراب ينكشفان أمام نواظرنا.
وبينما لا يزال الجدل يدور حول ماهية النظام السياسي الدولي الجديد، وهل هذا النظام الجديد أساسا هو من صنع ذوي المصالح الرأسمالية؟ ويحاول الذين يؤيدون هذه النظرية أن يثبتوها بعامل القوة العظمى التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، كون أن القوة هي تعبير وتجسيد لمجموع القدرات المادية والمعنوية التي تكون بحوزتهم.
لكن الدمار الذي ألحقته هذه القوة بالمنطقة منذ احتلال أفغانستان والعراق، وتقديم الدعم والمساندة للراديكالية الإسلامية في المنطقة، قد غطى عليه بريق العظمة، تلك العظمة التي أوهمت الشعوب مدة من الزمن بانها داعمة للديمقراطية والمدنية.
ولكن لم يخفي وهم وزيف الديمقراطية على المأساة التي حلت بمنطقة الشرق الأوسط بصورة عامة.
ربما كان تسليم البعض بالديمقراطية الغربية انتحارا، كما أن البيروقراطية والطبقة المثقفة وغيرهم كان علتهم الحيرة وكثيرون ملأهم الذعر والاشمئزاز من الديمقراطية المستوردة، بينما كثيرون آخرون تفاءلوا بل مالوا إلى الديمقراطية الجديدة.
ومن الواضح أن فلسفة النظام السياسي الدولي الجديد تنكر المثلين الأعليين التوأمين (احترام الإنسانية والسلم العالمي) فبدلا من الإنسانية، دعوا إلى المفاضلة بين الأجناس، وبدلا من السلم العالمي طبقوا مبدأ (دارون) وهو البقاء للأصلح وجعلوه إحدى الفلسفات، ولذلك أصبحت الحرب المحك الذي يثبتون به للعالم أنهم الأقوى والأصلح بحسب عقيدتهم. ويترتب على ذلك بات مفهوم السلم العالمي بالنسبة لهم لا يُفهم على أنه نظام إيجابي للحياة بل وسيلة لتوطيد سيطرتهم على العالم.
إن فلسفة النظام السياسي الدولي المحكوم بالرؤى والممارسات الأحادية في طوره الأمريكي ليس أكثر من مشروع سياسي اقتصادي أيديولوجي لأجل بسط الدكتاتورية الأمريكية، تلك الدكتاتورية التي لاحد لمطامعها، والتي تزداد بفضل التقدم العلمي والفني في عصرنا، ومع التطور التكنولوجي الأمريكي أيضا إلى انفراد الولايات المتحدة بالتخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات السياسية، حيث صاحب ذلك ظهور مصالح جديدة للولايات المتحدة في اتجاهات جديدة، ومنها اتجاهها إلى العمل العسكري منفردة وإن كان ذلك لا يتم تحت غطاء الشرعية الدولية.
وفقا لما تقدم، فلا مناص من عالم متعدد الأقطاب يسوده اقتصاد السوق. بمعنى قد تبرز الصين وبلدان أخرى التي ستخنق أمريكا في جزء كبير من قيادة العالم التي مارستها طول الجزء الأكبر من الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بعد مرحلة فوضى واضطرابات انتقالية، حيث يرى كثيرون أن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى تجاوزت قمتها، غير أن القيادة الصينية اعترفت بأن الولايات المتحدة ستحتفظ بقدر مهم من القدرة القيادية إلى المستقبل المنظور. عليه لا يمكن أن يستمر النظام السياسي الدولي بنظام أحادي القطب، بل ينبغي أن يكون متعدد الأقطاب، مشتركاً بين الولايات المتحدة والصين.
ولنا أن نستحضر تجربة كيسنجر المتمثلة في دوره في إحداث الانفتاح الأميركي على الصين بعد حرب فيتنام، قاطعاً الطريق على الطموح المستحيل لروسيا في نظره الساعي إلى إحكام القبضة على قيادة العالم، وإعادة تجربة الولايات المتحدة. (من كتاب هنري كيسنجر: النظام العالمي تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ)