في خطوة اقتصادية لافتة تعكس تحولات كبيرة في مسار العلاقات الدولية، أعلنت الحكومة الصينية عزمها إلغاء الرسوم الجمركية على وارداتها من 53 دولة إفريقية، من بينها دولة ليبيا، اعتباراً من شهر مايو المقبل، في قرار وصفه مراقبون بأنه الأكبر في تاريخ الشراكة الاقتصادية بين الصين والقارة الإفريقية.
ويشمل القرار الصيني إعفاءً كاملاً بنسبة 100% من الرسوم الجمركية على جميع السلع والمنتجات القادمة من الدول الإفريقية المشمولة، دون استثناء أي بند جمركي، ما يمثل نقلة نوعية في تسهيل حركة التجارة وتعزيز فرص التصدير إلى السوق الصيني، الذي يعد من أكبر الأسواق العالمية بحجم استهلاكي يتجاوز 1.4 مليار نسمة.
وتُعد دولة ليبيا من أبرز الدول المستفيدة من هذا القرار، نظراً لعلاقاتها الدبلوماسية المستقرة مع الصين، حيث سيمكنها ذلك من تصدير منتجاتها المختلفة إلى السوق الصينية دون تحمل أي أعباء جمركية، وهو ما لم يكن متاحاً في السابق سوى لنحو 33 دولة إفريقية تُصنف ضمن الدول الأقل نمواً.

وبحسب المعطيات الاقتصادية، كانت السلع الليبية القادمة من الدول متوسطة الدخل، مثل ليبيا، تخضع قبل هذا القرار لرسوم جمركية تتراوح بين 10% و25%، ما كان يحد من قدرتها التنافسية داخل السوق الصينية، إلا أن القرار الجديد من شأنه أن يعزز فرص النفاذ التجاري بشكل غير مسبوق.
ويفتح هذا التوجه الباب أمام دولة ليبيا لتوسيع صادراتها، لا سيما في قطاعات النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والمواد الأولية، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، إلى جانب إمكانية تطوير قطاعات صناعية جديدة تستهدف السوق الصينية بشكل مباشر.
كما يرى خبراء الاقتصاد أن الفرصة لا تقتصر فقط على زيادة الصادرات، بل تمتد إلى إمكانية جذب استثمارات صينية وأجنبية لإقامة مشاريع صناعية داخل ليبيا، مستفيدة من انخفاض تكاليف التشغيل والعمالة، بما يجعل البلاد منصة إنتاجية للتصدير إلى الصين دون رسوم.
وفي سياق متصل، أشار تقرير صادر عن معهد بروكينغز الأمريكي في يناير الماضي، إلى أن توجه الصين نحو اعتماد سياسة "التعريفة الجمركية الصفرية" مع الدول الإفريقية، يعكس رغبة استراتيجية في تعزيز نفوذها الاقتصادي بالقارة، خاصة في ظل التوترات التجارية العالمية والتنافس مع القوى الكبرى.
وأكد التقرير أن الدول الإفريقية، بما فيها ليبيا، يمكنها استغلال هذه المبادرة لتصبح مراكز إنتاج منخفضة التكلفة موجهة للتصدير، ما يمنحها فرصة ذهبية لتحقيق نمو اقتصادي وتحسين موازينها التجارية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي حالة من التذبذب نتيجة الأزمات الجيوسياسية والحروب التجارية، ما يعزز من أهمية المبادرات التي تدعم الانفتاح التجاري وتخفف القيود الجمركية، خاصة بين الاقتصادات الناشئة والكبرى.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الصين والدول الإفريقية، وفتح آفاق جديدة للشراكات الاستثمارية، بما ينعكس إيجاباً على معدلات النمو والتنمية في القارة الإفريقية خلال السنوات المقبلة.