تتجه تقديرات الكرملين نحو مزيد من التشاؤم مع دخول حرب إيران أسبوعها الرابع، في ظل تراجع واضح لقدرة موسكو على التأثير في مسار الصراع أو احتوائه.
ومع تعقّد المشهد الإقليمي، باتت أولويات روسيا تتركز على تجنّب الانخراط المباشر في المواجهة، مع متابعة تداعياتها، خاصة على محيطها الجيوسياسي وعلاقاتها الدولية.

ويختصر المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، هذا الموقف بقوله إن مسار الأحداث “يتجه نحو الأسوأ”، في إشارة إلى ضبابية المشهد وخطورة التصعيد المستمر في الشرق الأوسط.
منذ اندلاع المواجهة، استندت الرؤية الروسية إلى قناعتين أساسيتين: الأولى أن الضربات الجوية، مهما بلغت شدتها، لن تكون كافية لإسقاط النظام الإيراني، ما يجعل أي حسم عسكري مرهونًا بتدخل بري مكلف ومعقّد.
أما القناعة الثانية، فتمثلت في احتمال انتهاء الحرب دون حسم نهائي، على غرار سيناريوهات سابقة، حيث يعلن كل طرف تحقيق أهدافه دون بلوغ الغايات الكبرى. وكان هذا السيناريو يُعدّ الأنسب لموسكو، إذ يضمن بقاء إيران متماسكة رغم إنهاكها.
رغم المخاوف من توسع نطاق الصراع، ترى موسكو أن طهران نجحت حتى الآن في امتصاص الضربة الأولى وتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف.
كما تشير التقديرات الروسية إلى أن العمليات العسكرية عززت التماسك الداخلي في إيران، بدلًا من إضعافه.
وأكد بيسكوف أن أي محاولات لتغيير النظام تؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز الالتفاف الشعبي حول القيادة، محذرًا في الوقت نفسه من تداعيات خطيرة لسياسات الاغتيالات واستهداف القيادات.

في بداية الأزمة، حاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استثمار التصعيد لطرح وساطة سياسية، عبر سلسلة اتصالات مع قادة إقليميين ودوليين.
وشملت المبادرة الروسية مقترحات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، من بينها نقل الوقود المخصب إلى روسيا، إضافة إلى ضمانات بشأن عدم استخدام الصواريخ الإيرانية ضد دول الجوار.
لكن هذه المبادرات لم تلقَ قبولًا لدى واشنطن أو تل أبيب، حيث فضّل الطرفان الاستمرار في الخيار العسكري، ما أضعف الدور الروسي وأخرجه من دائرة التأثير المباشر.

في موازاة ذلك، تواجه موسكو اتهامات بتقديم دعم غير مباشر لإيران، خاصة في المجال الاستخباراتي والتقني.
وقد اكتسبت هذه الاتهامات جدية أكبر بعد تحذيرات أمريكية رسمية.
ورغم نفي الكرملين تقديم دعم عسكري مباشر، تشير تقديرات إلى استمرار تقديم مساعدات محدودة، تشمل معلومات عن التحركات العسكرية، ودعمًا تقنيًا عبر شركات خاصة في مجالات الأمن السيبراني.
وتسعى موسكو من خلال هذا النهج إلى تحقيق توازن دقيق: دعم شريكها الإيراني دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، خاصة في ظل ارتباط ملفات أخرى مثل الحرب في أوكرانيا.
من جهة أخرى، تراقب روسيا عن كثب انعكاسات الحرب على أوروبا، التي تواجه تحديات متزايدة، خاصة في مجال الطاقة. وتشير قراءات الكرملين إلى أن الأزمة الحالية قد تدفع الدول الأوروبية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بعيدًا عن الملف الأوكراني.
وترى موسكو أن ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط الاقتصادية قد يدفعان أوروبا إلى تخفيف موقفها المتشدد تجاه روسيا، أو على الأقل تقليص انخراطها في دعم كييف.

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الكرملين اختار استراتيجية “الانتظار والترقب”، مع الرهان على استنزاف أطراف الصراع وتفاقم التباينات داخل المعسكر الغربي.
وبينما تتضاءل فرص الوساطة، وتتعقد الحسابات الإقليمية، يبقى هدف موسكو الأساسي هو تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في منطقة تشهد واحدة من أخطر أزماتها منذ سنوات.