دراسات وأبحاث

من أوكيناوا إلى هرمز.. هل تُربك أزمات الشرق الأوسط استراتيجية واشنطن بآسيا؟

الأحد 22 مارس 2026 - 03:32 م
ابراهيم ياسر
الأمصار

تشهد الاستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة اختبارًا حقيقيًا في ظل التطورات المرتبطة بالحرب مع إيران، حيث لم تُغيّر واشنطن رسميًا أولوياتها المعلنة، لكنها اضطرت عمليًا إلى إعادة توزيع قواتها بشكل يثير تساؤلات حلفائها، خاصة في آسيا.

استراتيجية ثابتة نظريًا

لا تزال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تؤكد أن أولوياتها الاستراتيجية تبدأ بحماية الداخل الأميركي ونصف الكرة الغربي، مرورًا بردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع تقليص الانخراط الطويل في الشرق الأوسط.

لكن الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك جزئيًا، إذ اضطرت الولايات المتحدة إلى نقل أصول عسكرية مهمة من آسيا إلى الشرق الأوسط لدعم عملياتها ضد إيران، ما وضع “أولوية آسيا” أمام اختبار صعب.

تحولات عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط

أبرز مظاهر هذا التحول تمثلت في سحب معدات وقوات من مناطق استراتيجية في آسيا، وتشير تقارير إلى نقل أنظمة دفاع جوي، من بينها بطاريات “باتريوت”، إضافة إلى إعادة نشر قوات بحرية وبرمائية كانت متمركزة في اليابان.

ومن أبرز هذه التحركات، توجه السفينة الهجومية البرمائية “تريبولي”، المدعومة بوحدة مشاة بحرية قوامها آلاف الجنود، من أوكيناوا إلى الشرق الأوسط، في خطوة تعكس حجم التحول في الانتشار العسكري الأميركي.

كما أُرسلت تعزيزات إضافية من الولايات المتحدة، بما في ذلك مجموعة “بوكسر” البرمائية، ما يدل على أن واشنطن لا تكتفي بإعادة التموضع، بل تعزز وجودها العسكري في المنطقة بشكل ملحوظ.

قلق متزايد لدى الحلفاء الآسيويين

هذا التحول أثار مخاوف حقيقية لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، الذين يرون أن تقليص الوجود العسكري الأميركي في منطقتهم قد يضعف قدرة الردع في مواجهة الصين.

ولا يتعلق القلق فقط بعدد القوات المنسحبة، بل بنوعية القدرات العسكرية التي جرى نقلها، خصوصًا أن بعض هذه الوحدات تُعد من أهم أدوات الاستجابة السريعة لأي تصعيد محتمل في غرب المحيط الهادئ.

وتخشى هذه الدول من أن يؤدي تكرار الأزمات في الشرق الأوسط إلى استنزاف دائم للموارد الأميركية، ما قد ينعكس سلبًا على التزامات واشنطن تجاه أمن آسيا.

تآكل الردع أمام الصين

يرى خبراء ومراكز أبحاث أن ما يحدث قد ينعكس مباشرة على قدرة الولايات المتحدة في ردع الصين. فالموارد العسكرية التي تُستخدم في الشرق الأوسط، من صواريخ وأنظمة دفاع وسفن حربية، تصبح غير متاحة في حال اندلاع أزمة في آسيا.

كما حذرت تقارير من أن الجاهزية العسكرية الأميركية تراجعت خلال السنوات الماضية نتيجة الضغوط التشغيلية المستمرة، وصعوبة التوازن بين الانتشار العسكري والتحديث والصيانة.

وفي هذا السياق، برزت مخاوف خاصة من استنزاف الذخائر بعيدة المدى، مثل صواريخ “توماهوك” و”JASSM-ER”، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في أي مواجهة محتملة مع الصين.

تناقض بين الخطاب والواقع

رغم تأكيدات ترمب على تجنب الانخراط في حروب طويلة، خاصة البرية منها، فإن التطورات الحالية تكشف عن تناقض واضح بين الخطاب السياسي والواقع العسكري.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الاستراتيجية الأميركية عن تقليل التورط في الشرق الأوسط، تشير الوقائع إلى توسع العمليات وزيادة عدد القوات المنتشرة في المنطقة، ما يضعف مصداقية هذه الاستراتيجية في نظر الحلفاء.

الصين تستفيد من المشهد

في المقابل، تجد الصين في هذا الوضع فرصة لتعزيز خطابها السياسي، عبر التشكيك في موثوقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي، خاصة في حال تعدد الأزمات.

وتروّج بكين لفكرة أن واشنطن قد لا تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية عندما تتزاحم الجبهات، وهو ما قد يشجعها على اختبار حدود الردع الأميركي، خاصة في ملف تايوان.

عام 2027 ومعادلة الردع

يبرز عام 2027 كأحد المحطات المهمة في التقديرات الاستراتيجية، حيث يُنظر إليه كمرحلة قد تشهد تصاعدًا في الجاهزية العسكرية الصينية. ورغم عدم وجود مؤشرات حاسمة على نية بكين التحرك في هذا التوقيت، فإن المخاوف لا تزال قائمة.