أحداث خاصة

نوروز| “اليوم الجديد” الذي يوحّد الشعوب.. تاريخ عريق واحتفالات تمتد عبر القارات

الأحد 22 مارس 2026 - 12:19 م
ابراهيم ياسر
الأمصار

يحتفل مئات الملايين حول العالم هذا الأسبوع بعيد نوروز، أو ما يُعرف بـ“اليوم الجديد”، والذي يوافق 21 مارس/آذار من كل عام، بالتزامن مع بداية فصل الربيع.

 ويُعد هذا العيد رأس السنة الفارسية والكردية، إلا أن دلالاته تتجاوز الحدود القومية ليشمل شعوبًا وثقافات متعددة تمتد من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا.

فتاة أثناء احتفالات نوروز بأذربيجان

عيد يتجاوز القوميات والحدود

لا يقتصر نوروز على شعب بعينه، بل يُعد من الأعياد النادرة التي تحتفل بها قوميات وأديان مختلفة في آن واحد. 
فهو مناسبة رسمية في عدد من الدول مثل إيران والعراق وأذربيجان وقرغيزستان، كما يُحتفى به في مناطق واسعة تشمل تركيا وسوريا وطاجيكستان وأوزبكستان وكازاخستان وحتى بعض مناطق البلقان وشمال غرب الصين.

ويُنظر إلى نوروز باعتباره رمزًا للتجدد وبداية دورة حياة جديدة، حيث تتفتح الأزهار وتعود الطبيعة للحياة بعد فصل الشتاء، ما يمنحه بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الانتماءات السياسية والدينية.

انتشار عالمي عبر طريق الحرير

لعب طريق الحرير، وهو شبكة طرق تجارية قديمة ربطت بين الشرق والغرب، دورًا محوريًا في انتشار عيد نوروز عبر القارات. 

فقد ساهم التجار والمسافرون في نقل العادات والتقاليد، ومن بينها طقوس الاحتفال بهذا العيد، ما جعله جزءًا من ثقافات متعددة.

وفي عام 2009، أدرجت منظمة اليونسكو عيد نوروز ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، تقديرًا لأهميته التاريخية وانتشاره الواسع، حيث يُحتفل به اليوم من قبل أكثر من 300 مليون شخص حول العالم.

مئات الملايين يحتفلون بعيد نوروز - BBC News عربي

طقوس واحتفالات متنوعة

تختلف مظاهر الاحتفال بنوروز من بلد إلى آخر، لكنها تتقاطع في العديد من الرموز المشتركة. 
ومن أبرز هذه الطقوس إشعال النيران، الذي يُعد رمزًا للنور والانتصار على الظلام، إضافة إلى التجمعات العائلية والرقصات الشعبية وإعداد الأطعمة التقليدية.

في المناطق الكردية، خاصة في العراق وتركيا وسوريا، تكتسب الاحتفالات طابعًا خاصًا، حيث تُنظم مسيرات جماهيرية وتُشعل المشاعل على قمم الجبال، في مشهد يعكس البعد التاريخي والرمزي للعيد.

نوروز في ظل التحديات الصحية

هذا العام، تأثرت احتفالات نوروز في بعض المناطق بسبب الظروف الصحية العالمية، ما دفع السلطات إلى فرض إجراءات وقائية للحد من التجمعات. 

ورغم ذلك، لم تتوقف مظاهر الاحتفال، بل استمرت مع مراعاة التدابير الاحترازية.

وفي إقليم كردستان العراق، تم تمديد عطلة العيد لعدة أيام، مع التأكيد على الالتزام بالإجراءات الصحية دون فرض حظر تجوال، في محاولة لتحقيق التوازن بين الحفاظ على التقاليد وضمان سلامة المواطنين.

أكثر من 300 مليون شخص يحتفلون به..ما هو عيد النوروز؟ - CNN Arabic

تاريخ من المنع والمقاومة

لم يكن نوروز دائمًا موضع ترحيب من قبل بعض الحكومات، حيث تعرض للحظر في فترات مختلفة، خاصة في دول مثل تركيا وسوريا، لأسباب سياسية وقومية. وكان يُنظر إليه أحيانًا كرمز للهوية الكردية، ما دفع السلطات إلى تقييد الاحتفال به.

ورغم ذلك، واصل الأكراد إحياء هذه المناسبة بطرق مختلفة، غالبًا في أجواء مشددة، حيث كانت الاحتفالات تترافق مع إجراءات أمنية واعتقالات في بعض الأحيان.

أما في دول آسيا الوسطى، مثل قرغيزستان خلال الحقبة السوفياتية، فقد مُنع الاحتفال بنوروز باعتباره عيدًا ذا جذور دينية مرتبطة بالزرادشتية، قبل أن يعود بقوة بعد الاستقلال في تسعينيات القرن الماضي.

أصول العيد بين الأسطورة والتاريخ

تتعدد الروايات حول أصل نوروز، بين روايات فارسية وأخرى كردية، إلا أنها تتفق جميعًا على كونه عيدًا للربيع والتجدد. 
وفي التراث الكردي، يُروى أن العيد يرتبط بثورة “كاوا الحداد” ضد الملك الظالم “الضحاك”، حيث أشعل النار إعلانًا للنصر، لتصبح هذه الشعلة رمزًا دائمًا للحرية وبداية يوم جديد.

رمزية مستمرة عبر الزمن

رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة، حافظ نوروز على مكانته كعيد يجمع بين الفرح والهوية والتاريخ. 
فهو ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل يمثل ذاكرة جماعية مشتركة تعكس صمود الثقافات واستمرارها عبر العصور.

وفي عالم يشهد الكثير من الانقسامات، يبقى نوروز نموذجًا فريدًا لعيد يوحد الشعوب حول قيم مشتركة، عنوانها الأمل والتجدد والانطلاق نحو مستقبل أفضل.