دراسات وأبحاث

من هو سعيد جليلي المرشح القوي لخلافة لاريجاني في إيران

الأربعاء 18 مارس 2026 - 03:09 م
هايدي سيد
الأمصار

تشهد الساحة السياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحولات متسارعة، في ظل تصاعد التكهنات بشأن هوية الشخصية التي ستخلف المسؤول الإيراني الراحل علي لاريجاني في أحد أهم المناصب الاستراتيجية داخل الدولة، وهو منصب مستشار الأمن القومي أو أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

 ويبرز اسم السياسي الإيراني سعيد جليلي كأحد أبرز المرشحين لتولي هذا الدور الحساس، وسط ترقب داخلي وخارجي لما قد تحمله هذه الخطوة من تغييرات في توجهات طهران السياسية والأمنية.


وبحسب تقارير إعلامية دولية، فإن عملية اختيار خليفة لاريجاني لن تكون سهلة، بالنظر إلى الثقل السياسي الكبير الذي كان يتمتع به داخل مؤسسات صنع القرار في إيران، حيث لعب دورًا محوريًا في رسم السياسات العليا، خاصة في ملفات الأمن القومي والعلاقات الخارجية. 

ووفقًا للدستور الإيراني، فإن رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بيزشكيان هو الجهة المخولة بتعيين مستشار الأمن القومي الجديد، ما يجعل القرار في نهاية المطاف سياسيًا بامتياز ويعكس توازنات القوى داخل النظام.


صعود اسم سعيد جليلي


في هذا السياق، يتردد بقوة اسم السياسي الإيراني سعيد جليلي، الذي يعد من أبرز الشخصيات المحافظة داخل النظام الإيراني، بل ويُصنف ضمن التيار الأكثر تشددًا في مقاربته للسياسة الخارجية، خصوصًا تجاه الدول الغربية. ويُنظر إلى جليلي على أنه شخصية ذات نفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، نظرًا لتاريخه الطويل في العمل السياسي والدبلوماسي.


ويشغل جليلي منذ عام 2008 منصب ممثل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو موقع يعكس مدى الثقة التي يحظى بها من أعلى هرم السلطة في البلاد. كما سبق له أن تولى منصب أمين المجلس نفسه، وكان كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني خلال فترة حساسة من تاريخ العلاقات بين إيران والغرب.


مسيرة سياسية حافلة


بدأ سعيد جليلي مسيرته المهنية في وزارة الخارجية الإيرانية عام 1989، حيث تدرج في عدد من المناصب، من بينها رئاسة مكتب التفتيش في الوزارة حتى عام 1996. وبعد ذلك، شغل منصب مساعد أول للشؤون الأمريكية، قبل أن ينتقل للعمل في مكتب المرشد الأعلى خلال الفترة بين عامي 2001 و2005.


ومع وصول الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى السلطة في عام 2005، تم تعيين جليلي نائبًا لوزير الخارجية لشؤون أوروبا والولايات المتحدة، كما عمل مستشارًا للرئيس في الوقت ذاته. واستمر في هذا المنصب حتى عام 2007، قبل أن يتم تعيينه أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو المنصب الذي منحه نفوذًا واسعًا في إدارة الملفات الاستراتيجية.


وخلال توليه هذا المنصب، قاد جليلي فريق التفاوض الإيراني في الملف النووي، حيث عُرف بمواقفه الصلبة تجاه الغرب، ورفضه تقديم تنازلات في ما يتعلق بحق إيران في تطوير برنامجها النووي. وفي عام 2008، عيّنه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ممثلًا له في المجلس الأعلى للأمن القومي، ما عزز مكانته داخل النظام.


إقصاء وعودة إلى المشهد


مع انتخاب الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني في عام 2013، تم إقصاء جليلي من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث تم تعيين علي شمخاني خلفًا له. غير أن هذا التغيير لم ينهِ دور جليلي في الحياة السياسية، إذ قام المرشد الأعلى بتعيينه عضوًا في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو أحد أهم الهيئات الاستشارية في إيران.


كما خاض جليلي الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2013، وحل في المرتبة الثالثة، قبل أن يترشح مجددًا في انتخابات 2021، لكنه انسحب لصالح الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، في خطوة اعتُبرت دعمًا للتيار المحافظ داخل البلاد.


توجهات متشددة


يُعرف سعيد جليلي بتوجهاته المتشددة، حيث يرى مراقبون أنه يمثل أحد أبرز رموز التيار الذي يرفض الانفتاح على الغرب، ويدعو إلى تبني سياسات أكثر صرامة في التعامل مع الملفات الدولية. 

وفي هذا الإطار، نقلت تقارير إعلامية عن محللين سياسيين أن تولي جليلي هذا المنصب قد يعكس تحولًا واضحًا نحو التشدد في السياسة الإيرانية، خاصة إذا ما قورن بأسلوب علي لاريجاني الذي كان يُنظر إليه على أنه أكثر براغماتية ومرونة.


ويؤكد محللون أن اختيار جليلي قد يحمل في طياته رسائل سياسية مهمة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، إذ قد يشير إلى رغبة القيادة الإيرانية في تعزيز نفوذ التيار المحافظ، في ظل التحديات التي تواجهها البلاد، سواء على الصعيد الاقتصادي أو في ظل التوترات الإقليمية والدولية.


دور محوري في المرحلة المقبلة


يُعد منصب مستشار الأمن القومي أو أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران من أكثر المناصب تأثيرًا في تحديد توجهات الدولة، حيث يلعب دورًا رئيسيًا في إدارة الأزمات والتفاوض مع القوى الدولية.

 ومن المتوقع أن يكون للشخص الذي سيشغل هذا المنصب دور حاسم في أي مفاوضات محتملة، سواء في ما يتعلق بالملف النووي أو بالعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.


ويرى خبراء أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغيرات كبيرة في موازين القوى داخل النظام الإيراني، خاصة في ظل تنامي دور الحرس الثوري الإيراني، الذي يُنظر إليه على أنه يمتلك نفوذًا واسعًا في اتخاذ القرار.

 وفي هذا السياق، قد تفضل بعض مراكز القوة اختيار شخصية ذات خلفية عسكرية أو أمنية، ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات.


رسائل سياسية بعد التصعيد


وفي أعقاب التطورات الأخيرة، وجّه سعيد جليلي رسائل حادة تجاه خصوم إيران، حيث اعتبر أن الإجراءات التي تتخذها الأطراف المعادية لن تنقذها من أزماتها، بل ستُسرّع من هزيمتها، في تصريحات تعكس طبيعة خطابه السياسي الذي يتسم بالحدة والتشدد.


وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة، ما يزيد من أهمية اختيار شخصية قادرة على إدارة هذه المرحلة الحساسة. ويؤكد مراقبون أن القرار النهائي بشأن خليفة لاريجاني لن يكون مجرد تعيين إداري، بل سيكون خطوة استراتيجية تعكس توجهات إيران في السنوات المقبلة.


مستقبل مفتوح على الاحتمالات


في ضوء هذه المعطيات، يبقى مستقبل منصب مستشار الأمن القومي في إيران مفتوحًا على عدة احتمالات، في انتظار القرار الذي سيتخذه الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، بالتشاور مع مراكز القوة داخل النظام.

 وبينما يبرز اسم سعيد جليلي كأحد أبرز المرشحين، فإن المشهد لا يزال معقدًا، ويعكس طبيعة النظام السياسي الإيراني الذي يقوم على توازنات دقيقة بين مؤسساته المختلفة.


وفي جميع الأحوال، فإن اختيار خليفة لاريجاني سيكون له تأثير مباشر على مسار السياسة الإيرانية، سواء داخليًا أو خارجيًا، ما يجعل هذا الملف محل متابعة دقيقة من قبل المجتمع الدولي، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات غير مسبوقة.