تشهد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيدًا غير مسبوق منذ انطلاق الحملة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في 28 فبراير 2026. ومع استمرار الضربات الجوية واتساع نطاقها، تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية والعسكرية حول احتمال انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، تتمثل في تدخل بري تقوده الولايات المتحدة أو تدعمه لتحقيق أهداف الحرب.
ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تعلن رسميًا عن خطة لشن عملية برية واسعة، فإن التصريحات الصادرة عن مسؤولين في البيت الأبيض والبنتاجون لم تستبعد هذا الخيار بشكل كامل. فقد أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن جميع الخيارات ما تزال مطروحة، ما فتح الباب أمام تحليلات عديدة بشأن طبيعة هذا التدخل المحتمل وحدوده وأهدافه، وكذلك التحديات التي قد تواجهه.
الأهداف الاستراتيجية للحملة العسكرية
ترتكز الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي أعلنتها واشنطن بشكل واضح منذ بداية التصعيد. يأتي في مقدمة هذه الأهداف تدمير القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية التي تشكل تهديدًا مباشرًا لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
كما تسعى العمليات العسكرية إلى إضعاف أو تدمير القدرات البحرية الإيرانية، خصوصًا تلك المرتبطة بالحرس الثوري، والتي يمكن أن تستخدم لتهديد الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز.
الهدف الثالث يتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا أو القدرة على تطويره مستقبلاً، وهو هدف ظل محورًا رئيسيًا للسياسة الأمريكية تجاه طهران لسنوات طويلة.
أما الهدف الرابع فيتمثل في تقليص نفوذ إيران الإقليمي عبر وقف دعمها وتمويلها وتسليحها للميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط، والتي تعتبرها واشنطن وتل أبيب أدوات لزعزعة الاستقرار في المنطقة.
لكن بعض التحليلات تشير إلى أن الهدف غير المعلن للحملة قد يكون إضعاف النظام الإيراني إلى حد يسمح بحدوث تغيير داخلي في بنية السلطة، خاصة من خلال ضرب المؤسسات الأمنية ومرافق البنية التحتية الحيوية.
طبيعة التدخل البري المحتمل
تدور السيناريوهات المطروحة للتدخل البري حول عمليات محدودة أو “جراحية” وليست غزوًا شاملًا على غرار ما حدث في العراق عام 2003.
إحدى هذه السيناريوهات تتمثل في تنفيذ عملية خاصة تستهدف السيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي تشير تقارير إلى أنه مخزن في منشآت شديدة التحصين، أبرزها منشأة أصفهان النووية.
ويهدف هذا السيناريو إلى منع إيران من امتلاك المواد اللازمة لإنتاج سلاح نووي، عبر نقل تلك المواد إلى خارج البلاد أو إخضاعها لإجراءات تفكيك أو تخفيف التخصيب.
سيناريو آخر يتمثل في دعم مجموعات معارضة مسلحة داخل إيران لتنفيذ عمليات برية محدودة في مناطق معينة، خصوصًا في المحافظات الكردية شمال غربي البلاد.
غير أن هذا الخيار يواجه تعقيدات سياسية وأمنية، خاصة بعد إعلان إقليم كردستان العراق رفضه استخدام أراضيه كنقطة انطلاق لأي عملية عسكرية ضد إيران، عقب تهديدات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني باستهداف الإقليم.
كما تُطرح فرضية تنفيذ إنزال جوي محدود باستخدام قوات خاصة أمريكية، ربما بدعم من وحدات متخصصة في التعامل مع المواد النووية، لضمان السيطرة السريعة على أهداف محددة قبل الانسحاب.
القوة العسكرية المحتملة في العملية
تشير بعض التقديرات العسكرية إلى إمكانية الاعتماد على وحدات عالية الجاهزية مثل الفرقة 82 المحمولة جوًا التابعة للجيش الأمريكي، وهي واحدة من أسرع الوحدات قدرة على الانتشار في العالم.
تضم هذه الفرقة نحو 18 ألف جندي، وتتميز بقدرتها على تنفيذ عمليات إنزال جوي واسعة خلال فترة زمنية قصيرة، حيث يمكنها نشر آلاف المظليين خلال ساعات معدودة لدعم العمليات العسكرية.
وتعتمد مثل هذه العمليات على عنصر السرعة والمفاجأة، إضافة إلى الغطاء الجوي المكثف الذي توفره الطائرات المقاتلة والقاذفات الاستراتيجية، بهدف تقليل المخاطر على القوات المهاجمة.
كما قد تشارك فرق متخصصة في التعامل مع المواد النووية، سواء من الولايات المتحدة أو من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لضمان تأمين المواد الحساسة والتعامل معها وفق المعايير الدولية.
التحديات العسكرية والجغرافية
رغم أن العمليات البرية المحدودة تبدو نظريًا ممكنة، فإن تنفيذها على الأرض يواجه تحديات كبيرة، أولها الطبيعة الجغرافية لإيران.
فالمنشآت النووية الإيرانية موزعة على مساحات واسعة من البلاد، وبعضها يقع في مناطق داخلية بعيدة عن السواحل أو الحدود، إضافة إلى أن العديد منها محصن داخل منشآت تحت الأرض.
وهذا يعني أن الوصول إلى هذه الأهداف قد يتطلب عمليات تمهيد نيراني واسعة النطاق لتدمير الدفاعات الجوية والمواقع العسكرية المحيطة بها.
كما أن حجم إيران الجغرافي وتعقيد تضاريسها الجبلية يمثلان تحديًا كبيرًا لأي قوة عسكرية تحاول تنفيذ عمليات داخل أراضيها.
رد الفعل الإيراني المحتمل
في حال حدوث تدخل بري، من المرجح أن تلجأ إيران إلى ردود فعل عسكرية واسعة النطاق، تشمل استهداف القوات المهاجمة بالصواريخ والمدفعية بعيدة المدى.
كما يمكن أن تستهدف طهران القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، إضافة إلى محاولة إسقاط طائرات النقل العسكري التي قد تنقل القوات إلى داخل الأراضي الإيرانية.
ومن السيناريوهات المحتملة أيضًا لجوء إيران إلى حرب بحرية غير تقليدية في الخليج العربي، باستخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة البحرية والألغام البحرية، ما قد يعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وقد تعتمد طهران كذلك على دعم استخباراتي أو تقني من حلفائها الدوليين مثل روسيا أو الصين، في محاولة لتعزيز قدرتها على مواجهة أي تصعيد عسكري مباشر.
مضيق هرمز واحتمالات التصعيد البحري
من بين الأهداف التي تُطرح أحيانًا في النقاشات العسكرية إمكانية السيطرة على نقاط استراتيجية على الساحل الإيراني أو بالقرب من مضيق هرمز.
لكن هذا الخيار يُعد من أكثر السيناريوهات تكلفة وتعقيدًا، لأنه يتطلب نشر قوات بحرية وبرية كبيرة وتأمينها بشكل دائم.
كما أن أي محاولة للسيطرة على المضيق قد تؤدي إلى تصعيد واسع يهدد إمدادات الطاقة العالمية، نظرًا لأن نسبة كبيرة من صادرات النفط تمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.
لذلك يرى العديد من الخبراء أن الولايات المتحدة قد تتجنب هذا السيناريو في المرحلة الحالية بسبب مخاطره الاقتصادية والعسكرية.
مستقبل السيناريو البري
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن خيار التدخل البري الشامل لا يزال مستبعدًا إلى حد كبير، خاصة في ظل التكلفة البشرية والاقتصادية العالية التي قد يفرضها.
لكن في المقابل، تبقى العمليات المحدودة أو الخاصة خيارًا قائمًا، خصوصًا إذا اعتبرت واشنطن أن ذلك ضروري لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية.
وفي نهاية المطاف، سيعتمد القرار الأمريكي على تطورات الميدان العسكري خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى حسابات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة وردود الفعل الدولية والإقليمية.
وبينما تستمر الضربات الجوية وتتزايد حدة المواجهة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تظل الحرب محصورة في الجو والبحر، أم أنها ستدخل مرحلة جديدة أكثر خطورة مع احتمال فتح جبهة برية داخل الأراضي الإيرانية؟