دراسات وأبحاث

مجتبي خامنئي مرشدًا لإيران.. خلافة مثيرة للجدل رغم وصية والده

الإثنين 09 مارس 2026 - 07:23 م
هايدي سيد
الأمصار

شهدت إيران تطورًا سياسيًا لافتًا بعد إعلان اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي، خليفةً لوالده في منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل البلاد وخارجها، خاصة أنها جاءت رغم تقارير تشير إلى أن المرشد الراحل لم يكن يرغب في توريث هذا المنصب لابنه.

وجاء الإعلان في وقت حساس تمر به المنطقة، مع تصاعد التوترات العسكرية وتبادل الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة في الشرق الأوسط، ما أضفى أبعادًا إضافية على عملية انتقال السلطة في طهران، وفتح باب التساؤلات حول مستقبل النظام الإيراني وتوازن القوى داخله.


إعلان رسمي وسط تصاعد التوترات


وأعلن أعضاء الهيئة الدينية المخولة باختيار المرشد الأعلى في إيران، المعروفة باسم مجلس الخبراء، اختيار مجتبى خامنئي لتولي منصب المرشد الأعلى، خلفًا لوالده الذي توفي في بداية الحرب الدائرة حاليًا في المنطقة.

وبعد الإعلان الرسمي، سارعت مؤسسات الدولة الإيرانية إلى إعلان الولاء للقيادة الجديدة. فقد أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانًا أكدت فيه دعمها الكامل للمرشد الجديد، فيما عبّر البرلمان الإيراني عن التزامه بالوقوف خلف القيادة العليا في البلاد.

كما أعلن مجلس الدفاع الإيراني في بيان رسمي أن القوات المسلحة الإيرانية ستلتزم بطاعة المرشد الأعلى الجديد، مؤكدة الاستعداد للدفاع عن البلاد حتى “آخر قطرة دم”، في رسالة تعكس رغبة المؤسسة العسكرية في إظهار وحدة الصف داخل النظام السياسي.


وصية غير معلنة


غير أن اختيار مجتبى خامنئي لم يمر دون جدل، إذ نقلت تقارير إعلامية غربية عن مصادر إيرانية مطلعة أن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي كان قد أعرب في وقت سابق عن رفضه لفكرة توريث المنصب لنجله.

وبحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار مطلعين على ملف الخلافة، فإن خامنئي كان يخشى أن يؤدي وصول ابنه إلى المنصب إلى تحويل القيادة العليا في إيران إلى منصب وراثي، وهو ما يتناقض مع مبادئ الثورة الإسلامية التي أطاحت بنظام الشاه عام 1979.

وأوضحت المصادر أن المرشد الإيراني الراحل أبلغ مستشاريه المقربين بعدم رغبته في أن يخلفه ابنه في منصب المرشد الأعلى، خشية أن يُنظر إلى النظام السياسي في إيران على أنه نظام عائلي يشبه الأنظمة الملكية التي قامت الثورة ضدها.

كما أشارت تقارير أخرى إلى أن اسم مجتبى خامنئي لم يكن ضمن قائمة المرشحين الثلاثة الذين كان والده قد طرحهم العام الماضي كخلفاء محتملين لقيادة البلاد، وهو ما عزز الجدل حول الطريقة التي تم بها اختيار المرشد الجديد.


دور الحرس الثوري


ويرى مراقبون أن صعود مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى لم يكن مجرد تطور عفوي، بل جاء نتيجة ضغوط قوية مارستها مؤسسات نافذة داخل النظام الإيراني، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني.

ويعد الحرس الثوري إحدى أقوى المؤسسات في إيران، إذ يتمتع بنفوذ عسكري واقتصادي وسياسي واسع، وغالبًا ما يلعب دورًا حاسمًا في رسم السياسات الاستراتيجية للدولة.


وبحسب تقارير إعلامية، فإن العلاقات الوثيقة التي تجمع مجتبى خامنئي بقيادات الحرس الثوري الإيراني وقوات “الباسيج” شبه العسكرية كانت عاملًا مهمًا في دعمه للوصول إلى منصب المرشد الأعلى.


وتشير هذه التقارير إلى أن التيار المحافظ المتشدد داخل إيران يرى في مجتبى خامنئي شخصية قادرة على الحفاظ على نهج النظام السياسي الحالي وتعزيز قبضة المؤسسة الدينية والعسكرية على مفاصل الدولة.


نفوذ قديم خلف الكواليس


ورغم أن مجتبى خامنئي لم يشغل أي منصب حكومي رسمي كبير طوال حياته، فإن اسمه ظل حاضرًا بقوة في الكواليس السياسية داخل إيران لسنوات طويلة.


فقد تحدثت تقارير دبلوماسية غربية في السابق عن دوره غير المعلن داخل مكتب والده، حيث كان يُنظر إليه باعتباره أحد الشخصيات المؤثرة في اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني.


وبحسب برقيات دبلوماسية أمريكية سابقة، فقد وُصف مجتبى خامنئي بأنه “القوة الخفية خلف عباءة السلطة”، حيث كان يدير شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة دون الظهور في الواجهة.


كما اتهمه سياسيون إصلاحيون في إيران بلعب دور مهم في انتخابات عام 2005 التي فاز فيها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بالرئاسة، حيث قيل إنه تعاون مع رجال دين ومسؤولين في الحرس الثوري لدعم المرشح المحافظ آنذاك.


مخاوف من ردود فعل داخلية


ويرى محللون أن تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى قد يثير موجة جديدة من الجدل داخل إيران، خصوصًا في ظل الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.


فقد خرج آلاف الإيرانيين في مظاهرات خلال الأعوام الماضية احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، قبل أن تتحول بعض هذه الاحتجاجات إلى مطالبات بتغيير النظام السياسي.


ويعتقد بعض المراقبين أن فكرة انتقال السلطة من الأب إلى الابن قد تزيد من غضب قطاعات من الشارع الإيراني، التي قد ترى في ذلك دليلاً على تحول النظام إلى حكم عائلي.


أول انتقال عائلي للسلطة


ويمثل وصول مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى أول انتقال مباشر للقيادة العليا من الأب إلى الابن منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979.


وقد اعتبر بعض المحللين أن هذه الخطوة تمثل تحولًا مهمًا في طبيعة النظام السياسي الإيراني، الذي تأسس في الأصل على رفض فكرة الحكم الوراثي التي كانت سائدة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي.


ورأت تقارير صحفية غربية أن هذا التطور قد يعيد فتح النقاش داخل إيران حول مستقبل النظام السياسي وطبيعة السلطة فيه، خاصة مع تصاعد نفوذ الحرس الثوري داخل مؤسسات الدولة.


تداعيات إقليمية ودولية


وجاء إعلان تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى في وقت تشهد فيه المنطقة توترات عسكرية متصاعدة، حيث تزامن الإعلان مع تقارير عن هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة شنتها إيران على أهداف في الخليج وإسرائيل.


كما أثار تعيين المرشد الجديد ردود فعل دولية متباينة، إذ اعتبر بعض المسؤولين الغربيين أن الخطوة قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد في المنطقة.


وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح بأن المرشد الأعلى الإيراني الجديد “لن يبقى طويلًا” إذا لم تحصل طهران على موافقة الولايات المتحدة، في تصريح يعكس حدة التوتر بين البلدين.


ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشهد اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة الجديدة في إيران على إدارة الأزمات الداخلية والخارجية، في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تواجهها البلاد.


مستقبل القيادة الجديدة


وفي ظل هذه المعطيات، يعتقد خبراء أن اختيار مجتبى خامنئي قد يكون محاولة من التيار المتشدد في إيران لضمان استمرار نفوذه داخل النظام السياسي، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المعقدة التي تمر بها البلاد.


لكن في المقابل، يرى آخرون أن هذا القرار قد يكشف عن وجود هشاشة داخلية في بنية النظام، حيث اعتمدت عملية اختيار المرشد الجديد على توازنات دقيقة بين المؤسسات الدينية والعسكرية.


ومع بدء مرحلة جديدة في القيادة الإيرانية، تبقى الأنظار موجهة إلى طهران لمعرفة كيف سيؤثر هذا التحول في السياسة الداخلية والخارجية لإيران، وما إذا كان المرشد الجديد سيتمكن من الحفاظ على تماسك النظام في ظل التحديات المتزايدة.