دراسات وأبحاث

حرب إيران بعد أسبوع.. من الرابح ومن الخاسر في صراع الاقتصاد العالمي؟

الإثنين 09 مارس 2026 - 12:06 ص
مصطفى سيد
الأمصار

مع مرور الأسبوع الأول على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتسع دائرة التأثيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية للصراع، ليتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة ويطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وموازين القوى الدولية.

فالقصف المتبادل والهجمات الصاروخية المكثفة لا تهدد فقط أمن واستقرار الشرق الأوسط، بل تفتح الباب أمام تداعيات عالمية قد تمتد لسنوات، خاصة مع ارتباط المنطقة الوثيق بإمدادات النفط والغاز وسلاسل الإنتاج العسكري.

وبحسب تحليلات دولية نشرتها مجلة فورين بوليسي، فإن الأسبوع الأول من الحرب كشف عن أسئلة محورية حول طبيعة الصراع، أهمها: من يستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة؟ وهل تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها أزمة في الذخائر الدفاعية؟ وما تأثير هذا الصراع على الاقتصاد العالمي والنظام الجيوسياسي في المرحلة المقبلة؟

تداعيات حرب إيران 

منذ انطلاق العمليات العسكرية في 28 فبراير 2026، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو ألفي ضربة عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، مستهدفة مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية.

وهذا الحجم الكبير من الضربات يشير إلى أن المواجهة لم تعد مجرد عملية عسكرية محدودة، بل تحولت سريعًا إلى حرب واسعة النطاق.

في المقابل، ردت إيران بإطلاق مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل وعدد من المواقع المرتبطة بحلفائها في المنطقة، وهو ما أدى إلى توسيع نطاق التوتر ليشمل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.

ورغم شدة العمليات العسكرية، لا تزال الأهداف النهائية للحرب من جانب الإدارة الأمريكية غير واضحة بشكل كامل، إلا أن المؤكد أن الصراع بدأ يفرض ضغوطًا هائلة على منظومات الدفاع الصاروخي وأسواق الطاقة العالمية في الوقت نفسه.

حرب طويلة المدى بلا مواجهة برية

أحد أبرز ملامح هذه الحرب أنها تُعد من أكثر الحروب غرابة في التاريخ العسكري الحديث، إذ تدور بين خصمين تفصل بينهما مسافات جغرافية كبيرة، دون وجود اشتباك بري مباشر.

ويرى خبراء عسكريون أن هذا النوع من الحروب يجعل الذخائر والصواريخ الاعتراضية العنصر الحاسم في المعركة، حيث تعتمد العمليات بشكل أساسي على الضربات الجوية والهجمات الصاروخية.

ومع استمرار تبادل الضربات، بدأت تظهر مؤشرات على احتمال حدوث نقص في الذخائر الدفاعية لدى الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة الصواريخ الاعتراضية المستخدمة لإسقاط الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة.

هذه الأزمة تعكس معضلة معروفة في الصناعات العسكرية الحديثة، حيث تواجه الدول خيارًا صعبًا بين تخزين كميات ضخمة من الذخائر استعدادًا للحروب، وهو أمر مكلف اقتصاديًا، أو الاحتفاظ بمخزون محدود لتقليل التكاليف، مما يؤدي إلى نقص حاد في حال اندلاع صراع واسع.

تكلفة الدفاع أعلى من الهجوم

المفارقة الكبرى في هذه الحرب أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأسلحة الهجومية، بل في الأنظمة الدفاعية.

فإيران تستخدم في هجماتها طائرات مسيرة وصواريخ منخفضة التكلفة نسبيًا، بينما تضطر إسرائيل وحلفاؤها إلى استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن لاعتراضها.

على سبيل المثال، تصل تكلفة بطارية صواريخ باتريوت إلى نحو 1.5 مليار دولار، في حين تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد في منظومة ثاد نحو 15 مليون دولار.

هذا الفارق الكبير في التكاليف يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ حقيقي، خاصة أن بعض الهجمات قد تتطلب إطلاق مئات أو حتى آلاف الصواريخ الاعتراضية لصدها.

كما أن الإنتاج السنوي لهذه الصواريخ محدود، إذ تنتج شركة "لوكهيد مارتن" نحو 600 صاروخ اعتراضي سنويًا فقط، وهو رقم قد لا يكون كافيًا لمواجهة هجمات واسعة النطاق.

تأثير الحرب على الحلفاء والصراعات الأخرى

لا يقتصر تأثير نقص الذخائر على الشرق الأوسط فقط، بل يمتد أيضًا إلى صراعات أخرى حول العالم.

فأوكرانيا، التي تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري الغربي في حربها مع روسيا، تحتاج أيضًا إلى نفس أنواع الصواريخ الاعتراضية لمواجهة الهجمات الروسية.

وبالتالي، فإن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تقليص الإمدادات العسكرية الموجهة لأوكرانيا، ما قد يضعف تماسك التحالفات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة.

أسواق الطاقة تحت ضغط الحرب

إلى جانب التحديات العسكرية، تثير الحرب مخاوف كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع الحديث عن احتمال إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

يمر عبر هذا المضيق جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج، ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي.

وإذا تعطلت حركة الملاحة في المضيق لفترة طويلة، فقد تواجه الدول المنتجة للنفط مثل السعودية والعراق مشكلات كبيرة في تصدير إنتاجها.

كما قد تضطر هذه الدول إلى تقليص الإنتاج أو إغلاق بعض الحقول النفطية مؤقتًا، وهو أمر قد يؤثر على قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل.

أزمة الغاز العالمية

لم تقتصر تداعيات الحرب على سوق النفط فقط، بل امتدت أيضًا إلى سوق الغاز الطبيعي المسال.

فقد دخلت الأسواق في حالة من التوتر بعد إعلان قطر حالة "القوة القاهرة" في بعض منشآت الغاز، ما أدى إلى توقف جزء من الإمدادات العالمية التي تمثل نحو 20% من صادرات الغاز المسال.

هذا التطور دفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، خاصة في أوروبا التي لا تزال تعاني من آثار أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية.

ومع ارتفاع الأسعار، أصبحت الدول الفقيرة مثل باكستان وبنغلاديش غير قادرة على المنافسة في شراء الغاز، ما قد يؤدي إلى أزمات طاقة حادة في تلك الدول.

من المستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة؟

في ظل هذه الاضطرابات، تظهر بعض الدول والشركات كأكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط والغاز.

فروسيا، على سبيل المثال، يمكنها الاستفادة من زيادة أسعار الطاقة لتمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا.

كما تحقق شركات النفط الكبرى في الغرب، مثل الشركات الأمريكية العملاقة، أرباحًا قياسية نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية للوقود.

لكن على المدى الطويل، قد تكون الطاقة المتجددة هي المستفيد الأكبر من هذه الأزمة، حيث يعيد العالم التفكير في الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري القادم من مناطق غير مستقرة سياسيًا.

أما الصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم، فتبدو في موقف أكثر هدوءًا مقارنة ببقية القوى الكبرى.

فبكين لا تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني، كما أنها تمتلك احتياطيًا استراتيجيًا ضخمًا من النفط يقدر بنحو ملياري برميل، وهو ما يكفي لتغطية احتياجاتها لمدة تصل إلى ستة أشهر.

وبالتالي، يبدو أن الصين تفضل اتباع سياسة الصبر الاستراتيجي، حيث تنتظر تطورات الصراع دون الانخراط المباشر فيه.

ويرى محللون أن بكين تراهن على أن دول الخليج ستدرك في النهاية أهمية الشراكة الاقتصادية معها، خاصة في ظل دورها المتنامي في التجارة العالمية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

وبعد مرور أسبوع واحد فقط على اندلاع الحرب، بات واضحًا أن الصراع مع إيران يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية.

فالحرب تفتح فصلًا جديدًا من المنافسة بين القوى الكبرى، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية.

وإذا استمر التصعيد، فقد يتحول هذا الصراع إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على التعامل مع أزمة كبرى في منطقة تُعد القلب النابض لسوق الطاقة العالمي.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم: هل تتجه المنطقة نحو تهدئة دبلوماسية، أم أن العالم مقبل على صراع طويل قد يعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط والعالم؟