دراسات وأبحاث

العراق في قلب حرب إيران.. صراع النفوذ يفتح جبهات جديدة

الأحد 08 مارس 2026 - 07:10 م
هايدي سيد
الأمصار

دخل العراق مجددًا دائرة التوترات الإقليمية مع تصاعد الحرب الدائرة في إيران، ليجد نفسه وسط شبكة معقدة من الصراعات المتشابكة بين قوى إقليمية ودولية. 

فبعد سنوات من محاولات استعادة الاستقرار عقب عقود من الحروب والاضطرابات الأمنية، تحولت الأراضي والأجواء العراقية إلى مسرح لمجموعة من العمليات العسكرية والهجمات المتبادلة التي تعكس حجم الصراع بين أطراف متعددة، أبرزها الولايات المتحدة وإيران والفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، إضافة إلى الجماعات الكردية المعارضة للنظام الإيراني.

وتزايدت حدة التوتر منذ انطلاق الهجوم المشترك على طهران في 28 فبراير الماضي، إذ بدأت تداعيات الحرب تتسرب سريعًا إلى الداخل العراقي، سواء عبر ضربات جوية استهدفت مقار لفصائل مسلحة موالية لإيران، أو عبر هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت مواقع ومصالح أمريكية داخل العراق، فضلاً عن عمليات عسكرية إيرانية عبر الحدود استهدفت جماعات كردية معارضة متمركزة في شمال البلاد.


العراق ساحة صراع بين واشنطن وطهران


لطالما كان العراق ساحة مركزية للصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

 ومع تعاقب الحكومات العراقية، حاولت بغداد الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الطرفين، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت هذا التوازن أكثر هشاشة، في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية.


ورغم انتشار تقارير عن ضربات استهدفت مواقع داخل العراق منذ بدء الحرب، لم تؤكد كل من الولايات المتحدة أو إسرائيل تنفيذ هجمات عسكرية مباشرة على الأراضي العراقية. ومع ذلك، اتهمت فصائل عراقية مسلحة كلا البلدين بالوقوف وراء الضربات التي طالت مواقعها.


في المقابل، أعلنت تلك الفصائل تنفيذ عشرات الهجمات على قواعد أمريكية داخل العراق، في إطار ما وصفته بالرد على الهجمات ضد إيران.


الفصائل الموالية لإيران


تمتلك إيران نفوذًا واسعًا في العراق، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، حيث تدعم عددًا من الفصائل المسلحة التي تعتبرها الولايات المتحدة “منظمات إرهابية”.

 وخلال السنوات الماضية، توسع نفوذ هذه الجماعات بشكل ملحوظ، ليس فقط في المجال العسكري، بل أيضًا في الحياة السياسية، إذ حصلت بعض تلك الفصائل على مقاعد في البرلمان العراقي.


ومع اندلاع الحرب الأخيرة ضد إيران، أعلنت هذه الفصائل أنها لن تبقى على الحياد، مؤكدة أنها ستشارك في المواجهة إلى جانب طهران. 

وبالفعل، تبنت عدة جماعات تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت قواعد أمريكية داخل الأراضي العراقية.


وتتعرض بعض مقار هذه الفصائل بدورها لهجمات، حيث اتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بتنفيذ ضربات جوية ضد مواقعها.


وتضم هذه الجماعات عددًا من الفصائل البارزة التي تمتلك ألوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، وهو تحالف عسكري تشكل عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش، قبل أن يتم دمجه رسميًا ضمن المؤسسة العسكرية العراقية. ومع ذلك، لا تزال بعض الفصائل تتحرك بشكل مستقل خارج الإطار الرسمي.


ومن أبرز هذه الجماعات كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي، وهي فصائل تنضوي تحت مظلة تحالف يُعرف باسم “المقاومة الإسلامية في العراق”، الذي يعد أحد أبرز الحلفاء الإقليميين لإيران.


استهداف المصالح الأمريكية


منذ اندلاع الحرب، أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق” بشكل شبه يومي تنفيذ عمليات عسكرية ضد قواعد أمريكية في العراق وفي مناطق أخرى من الشرق الأوسط، مستخدمة الطائرات المسيّرة والصواريخ.


ومن أبرز المواقع التي تعرضت لهجمات متكررة مطار بغداد الدولي، الذي يضم قاعدة عسكرية تستضيف فريق دعم لوجستي تابعًا لسفارة الولايات المتحدة في العراق. كما تصدت الدفاعات الجوية للسفارة الأمريكية في العاصمة بغداد لهجوم صاروخي مساء السبت.


ولم تقتصر الهجمات على المواقع العسكرية، إذ تعرضت أيضًا حقول نفطية تديرها شركات أجنبية، بينها شركات أمريكية، لقصف في محافظة البصرة جنوب العراق، وكذلك في إقليم كردستان شمال البلاد.


إقليم كردستان في مرمى التصعيد


شهد إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع بحكم ذاتي، عددًا من الهجمات خلال الأيام الأخيرة. 

ويستضيف مطار أربيل، عاصمة الإقليم، قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة منذ عام 2014.


كما تحتفظ الولايات المتحدة بقنصلية كبيرة في أربيل، ما يجعل المدينة إحدى النقاط الاستراتيجية المهمة في الوجود الأمريكي بالعراق.


وخلال الفترة الأخيرة، أعلنت الدفاعات الجوية في أربيل اعتراض طائرات مسيّرة بشكل شبه يومي، كانت تحلق في أجواء المدينة.


وفي تحذير لافت، أعلنت الولايات المتحدة أن الفصائل العراقية الموالية لإيران قد تستهدف فنادق يرتادها أجانب في إقليم كردستان. وبالفعل، تعرض فندقان على الأقل في الإقليم لهجمات خلال الأيام الماضية.


المعارضة الكردية الإيرانية


يستضيف إقليم كردستان العراق أيضًا معسكرات وقواعد لعدد من الفصائل الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران. وتتهم إيران هذه الجماعات بالضلوع في تنفيذ هجمات داخل الأراضي الإيرانية وبالتعاون مع إسرائيل ودول غربية معادية لها.


وخلال السنوات الأخيرة، نفذت إيران عدة ضربات عسكرية استهدفت مواقع تلك الجماعات داخل الأراضي العراقية. ومع اندلاع الحرب الحالية، عادت طهران لتكثيف هجماتها ضد هذه الفصائل.


وفي تطور سياسي لافت، أعلنت خمس جماعات كردية إيرانية معارضة تشكيل تحالف سياسي جديد يهدف إلى إسقاط النظام في طهران وضمان حق الأكراد في تقرير مصيرهم.


وتشير تقارير إعلامية إلى احتمال قيام هذه الفصائل بشن هجوم بري داخل إيران انطلاقًا من إقليم كردستان العراق، بدعم من الولايات المتحدة.


غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد في تصريحات أنه لا يرغب في توسيع نطاق الحرب، قائلاً إن بلاده تربطها علاقات جيدة مع الأكراد لكنها لا تريد تعقيد الصراع أكثر.


تهديدات إيرانية


من جانبها، حذرت إيران من أنها ستستهدف جميع المنشآت في إقليم كردستان العراق إذا انطلقت منه هجمات ضد الأراضي الإيرانية.
وأكدت طهران أن أي محاولة لشن عمليات عسكرية ضدها من داخل الأراضي العراقية ستواجه برد حازم، ما يرفع من مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة الحدودية.


بغداد وأربيل بين ضغوط الحرب


في خضم هذه التطورات، تجد السلطات العراقية نفسها في موقف بالغ التعقيد. فالحكومة الاتحادية في بغداد، وكذلك حكومة إقليم كردستان، تؤكدان أنهما لا تريدان أن تتحول الأراضي العراقية إلى منصة لمهاجمة دول الجوار.


وأكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن بلاده لن تسمح باستخدام أراضيها في أي عمليات عسكرية تهدد أمن المنطقة.


كما أمر السوداني بملاحقة المسؤولين عن إطلاق الصواريخ التي استهدفت محيط السفارة الأمريكية في بغداد وتقديمهم إلى العدالة.


وشدد رئيس الوزراء العراقي على أن استهداف البعثات الدبلوماسية والسفارات الأجنبية في العراق يمثل عملاً غير مقبول تحت أي ظرف.


مخاوف من توسع الصراع


في المقابل، نفت سلطات إقليم كردستان العراق بشكل قاطع التقارير التي تحدثت عن احتمال دعم الإقليم لعملية توغل داخل إيران.


وأكدت حكومة الإقليم أنها لا تسعى إلى تصعيد الصراع أو الانخراط في أي عمليات عسكرية ضد الدول المجاورة.


لكن الواقع الميداني يشير إلى أن العراق، رغم محاولاته الحفاظ على الحياد، بات جزءًا من المشهد الإقليمي المتوتر، في ظل وجود قوى مسلحة متعددة الولاءات، وانتشار قواعد عسكرية أجنبية، وتداخل ملفات سياسية وأمنية معقدة.


وفي ظل استمرار الحرب الدائرة في إيران، يخشى مراقبون أن يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية، وهو سيناريو قد يعيد البلاد إلى دوامة عدم الاستقرار التي حاولت الخروج منها خلال السنوات الماضية.