رمضان في الأمصار

رمضان في لبنان.. بين عبق التقاليد القديمة وتحولات العصر الحديث

السبت 07 مارس 2026 - 07:15 م
مصطفى سيد
الأمصار

يحل شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه أجواءً روحانية واجتماعية خاصة في مختلف دول العالم الإسلامي، غير أن لبنان يتميز بطقوس رمضانية فريدة تجمع بين العادات الموروثة عبر مئات السنين والتغيرات التي فرضها العصر الحديث. 

فمع بداية الشهر الكريم، تتجدد في المدن اللبنانية مظاهر الاحتفال التي تعكس روح التضامن الاجتماعي والتلاقي بين أفراد المجتمع، لتتحول ليالي رمضان إلى مناسبة تجمع بين العبادة والفرح والتقاليد الثقافية المتوارثة.

ويحمل شهر رمضان مكانة خاصة لدى المسلمين في لبنان، حيث يستقبلونه بقلوب يملؤها الإيمان، ويحرصون على إحياء لياليه بالعبادات المختلفة، مثل الصلاة وتلاوة القرآن الكريم، إلى جانب المشاركة في الفعاليات الاجتماعية والأنشطة الدينية التي تعزز روح المحبة والتآلف بين الناس.

استعدادات خاصة لاستقبال الشهر الفضيل في لبنان

قبل حلول رمضان بأيام قليلة، تبدأ مظاهر الاستعداد في مختلف المدن اللبنانية، خاصة في بيروت وطرابلس وصيدا، حيث تتزين الشوارع بالأضواء والزينة الرمضانية التي تحمل أشكال الهلال والفوانيس الملونة. كما تمتلئ الأسواق بالمتسوقين الذين يقبلون على شراء مستلزمات الشهر الكريم من أطعمة ومشروبات وحلويات تقليدية.

ولا يقتصر الاستعداد على المظاهر الاحتفالية فحسب، بل يمتد إلى الجانب الروحي أيضًا، إذ يحرص الكثير من اللبنانيين على التوجه إلى المساجد لأداء الصلوات، خاصة صلاتي العشاء والتراويح، كما تقام حلقات تلاوة القرآن والدروس الدينية التي تعزز الوعي الديني لدى المجتمع.

وتتحول المساجد خلال الشهر الفضيل إلى مراكز تجمع روحي واجتماعي، حيث يجتمع المصلون لأداء العبادات وتبادل التهاني بقدوم الشهر المبارك، في أجواء يسودها الهدوء والسكينة.

"سيبانة رمضان".. تقليد بيروتي قديم

من أبرز العادات الرمضانية التي لا تزال حاضرة في لبنان تقليد يعرف باسم "سيبانة رمضان"، وهو تقليد شعبي قديم يعود إلى عقود طويلة. 

ويتمثل هذا التقليد في قيام العائلات بنزهة جماعية في اليوم الأخير من شهر شعبان، عادة على شاطئ البحر في العاصمة بيروت، حيث يجتمع الأصدقاء والأقارب لتناول الطعام والحلوى احتفالًا بقدوم شهر رمضان.

ويعكس هذا التقليد الطابع الاجتماعي المميز للمجتمع اللبناني، حيث تتحول المناسبة إلى فرصة لتعزيز الروابط العائلية والاجتماعية قبل بدء الصيام، كما تعكس روح التفاؤل والترحيب بالشهر الكريم.

ورغم تغير أنماط الحياة الحديثة، ما زال كثير من اللبنانيين يحرصون على إحياء هذه العادة سنويًا، باعتبارها جزءًا من التراث الشعبي الذي يربط الأجيال الحالية بالماضي.

مدفع رمضان.. إرث تاريخي متوارث

رمضان فى طرابلس

يعد مدفع رمضان من أبرز الرموز التراثية المرتبطة بالشهر الكريم في لبنان، وهو تقليد يعود إلى العهد العثماني عندما كان يستخدم للإعلان عن ثبوت رؤية الهلال وبداية الشهر المبارك.

وفي الماضي، كان المدفع يطلق إحدى عشرة طلقة مساء التاسع والعشرين أو الثلاثين من شهر شعبان إعلانًا ببدء رمضان، كما كانت تطلق طلقة يومية عند موعد أذان المغرب للإعلان عن الإفطار، وأخرى قبل الفجر للتنبيه بموعد الإمساك.

وكان المدفع يوضع في مواقع مرتفعة مطلة على العاصمة بيروت، مثل ثكنة "الرابية"، وكان يُجر بواسطة البغال إلى موقعه. 

واستمر هذا التقليد حتى عام 1923، قبل أن يتوقف لفترة طويلة خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، بسبب صعوبة التمييز بين صوت المدفع وأصوات القصف.

وبعد انتهاء الحرب، عاد هذا التقليد ليحيي ذاكرة الماضي ويعيد أجواء رمضان القديمة إلى المدن اللبنانية.

المسحراتي.. صوت من ذاكرة الزمن الجميل

مسحراتى

من العادات الرمضانية العريقة في لبنان ظاهرة "المسحراتي"، وهو الشخص الذي يجوب الشوارع ليلًا قبل الفجر، حاملاً طبلة صغيرة يقرع عليها لإيقاظ الناس لتناول وجبة السحور.

ويردد المسحراتي عبارات شعبية شهيرة مثل:
"اصحى يا نايم وحد الدايم"،
و"قوموا على سحوركم إجا رمضان يزوركم"،
وغيرها من العبارات التي أصبحت جزءًا من التراث الشعبي المرتبط بالشهر الكريم.

ورغم أن هذه العادة تراجعت في السنوات الأخيرة بسبب تغير أنماط الحياة وانتشار وسائل التنبيه الحديثة، فإن بعض القرى والمدن اللبنانية ما زالت تحافظ عليها، باعتبارها رمزًا من رموز التراث الرمضاني الذي يثير الحنين لدى الأجيال القديمة.

فعاليات دينية وثقافية خلال رمضان

يشهد لبنان خلال الشهر الفضيل تنظيم العديد من الفعاليات الدينية والثقافية، حيث تقوم الجمعيات والمؤسسات بتنظيم مسابقات لحفظ وتلاوة القرآن الكريم، إلى جانب استضافة قراء مشهورين من مختلف الدول العربية والإسلامية لإحياء أمسيات دينية في المساجد.

كما تنظم بعض المؤسسات فعاليات خيرية واجتماعية تهدف إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين، من خلال توزيع وجبات إفطار على الصائمين في الشوارع أو إقامة موائد إفطار جماعية تعرف باسم "موائد الرحمن".

وتعكس هذه المبادرات روح التكافل الاجتماعي التي يتميز بها شهر رمضان، حيث يتسابق الناس إلى فعل الخير ومساعدة الآخرين.

الأسواق الرمضانية وحركة التجارة

رمضان فى لبنان

تكتسب الأسواق اللبنانية حيوية خاصة خلال رمضان، إذ تمتد ساعات العمل في العديد من المتاجر والأسواق الشعبية حتى ساعات متأخرة من الليل، خصوصًا في مدينة طرابلس التي تشتهر بأجوائها الرمضانية المميزة.

وتنظم بعض الجمعيات فعاليات مثل "شهر التسوق"، بهدف تنشيط الحركة التجارية وجذب الزوار من مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى استقبال الوفود السياحية للتعرف على التراث التاريخي والثقافي للمدينة.

كما تظل المقاهي والمطاعم مفتوحة بعد صلاة العشاء وحتى ساعات الفجر، حيث يقضي الناس أوقاتهم في أجواء رمضانية مميزة تجمع بين الترفيه والروحانية.

المائدة اللبنانية في رمضان

أجمل عادات استقبال رمضان فى الشام.. السيبانة فى لبنان والمداحة بفلسطين

تتميز المائدة الرمضانية في لبنان بتنوع أطباقها ونكهاتها الغنية، حيث تبدأ وجبة الإفطار غالبًا بالحساء وسلطة "الفتوش" الشهيرة، التي تعد من أبرز الأطباق التقليدية في البلاد.

كما تضم المائدة أطباقًا أخرى مثل الملوخية والكبة المحشوة باللحم وورق العنب والمحاشي والتبولة، إضافة إلى مجموعة من المشروبات الرمضانية مثل الجلاب والتمر الهندي والخروب وقمر الدين.

أما الحلويات الرمضانية، فتتصدرها الكنافة بالجبن والقطايف والكلاج وزنود الست وحلاوة الجبن، إلى جانب الأرز باللبن والشعيبيات، وهي أطباق أصبحت جزءًا أساسيًا من تقاليد الإفطار في لبنان.

رمضان يجمع اللبنانيين

رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها لبنان خلال السنوات الماضية، يبقى شهر رمضان فرصة لتعزيز روح التضامن بين أفراد المجتمع. فكثيرًا ما يدعو المسلمون أصدقاءهم ومعارفهم من مختلف الطوائف إلى موائد الإفطار، في مشهد يعكس روح التعايش التي تميز المجتمع اللبناني.

كما تنتشر المبادرات الخيرية التي تهدف إلى مساعدة الفقراء وإطعام الصائمين، ما يجعل الشهر الكريم مناسبة لتعزيز قيم الرحمة والتكافل الاجتماعي.

ومع مرور الزمن، شهدت بعض العادات الرمضانية في لبنان تغيرات نتيجة تطور الحياة العصرية، إلا أن العديد من التقاليد القديمة ما زالت حاضرة بقوة في ذاكرة المجتمع، مثل مدفع رمضان والمسحراتي وسيبانة رمضان.

وتظل هذه العادات جزءًا من الهوية الثقافية للبنان، حيث تعكس تاريخًا طويلًا من التقاليد الاجتماعية والدينية التي شكلت ملامح الشهر الكريم في البلاد.

ويظل شهر رمضان في لبنان مناسبة استثنائية تجمع بين الروحانية والاحتفال الاجتماعي، حيث تتداخل العادات القديمة مع مظاهر الحياة الحديثة في لوحة ثقافية مميزة.

ورغم تغير الزمن وتطور المجتمع، تبقى روح رمضان حاضرة بقوة في قلوب اللبنانيين، الذين يحرصون على الحفاظ على تقاليدهم الرمضانية، لتظل هذه العادات شاهدًا على تاريخ طويل من المحبة والتآلف والتواصل بين الناس في هذا البلد العريق.