دراسات وأبحاث

صراع السلطة في إيران يتصاعد بين الرئاسة وصقور الحرس الثوري.. تفاصيل

السبت 07 مارس 2026 - 07:03 م
هايدي سيد
الأمصار

تشهد الساحة السياسية في إيران تطورات معقدة تكشف عن صراع متصاعد داخل مراكز القرار في البلاد، خصوصًا بين مؤسسة الرئاسة والتيار المتشدد داخل الحرس الثوري الإيراني، وذلك في ظل استمرار الهجمات الصاروخية على دول الجوار بالتزامن مع تصريحات رسمية تدعو إلى التهدئة والاعتذار.

ففي وقت قدم فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذارًا رسميًا إلى عدد من الدول العربية التي تعرضت لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية خلال الأيام الماضية، استمرت العمليات العسكرية على الأرض، الأمر الذي كشف عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والقرارات العسكرية داخل النظام الإيراني.


اعتذار رسمي يقابله تصعيد ميداني


وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالة اعتذار إلى دول الخليج العربية والأردن، على خلفية الهجمات التي طالت أراضيها منذ اندلاع الحرب الأخيرة في المنطقة. 

وأكد بزشكيان في تصريحاته أن بلاده لن تستهدف هذه الدول مجددًا ما لم تُشن هجمات على إيران انطلاقًا من أراضيها.


وأوضح الرئيس الإيراني أن ما يُعرف بـ"مجلس القيادة المؤقت" وافق على تعليق الهجمات الصاروخية ضد الدول المجاورة، مشيرًا إلى أن أي عمليات عسكرية مستقبلية ستكون مرتبطة فقط بحالات الدفاع عن النفس.


لكن التطورات الميدانية جاءت مخالفة لهذه التصريحات، إذ استمرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت منشآت اقتصادية ومصالح أمريكية في عدد من دول الخليج، في عمليات قالت طهران إنها تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة داخل تلك الدول.


الدول التي تعرضت للهجمات شددت منذ بداية الأزمة على أنها لا تشارك في الحرب ضد إيران، وأكدت في الوقت نفسه رفضها استخدام أراضيها لشن هجمات ضد طهران، مع تمسكها بخيار الحوار والدبلوماسية لاحتواء التصعيد.


الحرس الثوري في قلب القرار العسكري


يرى مراقبون أن التناقض بين تصريحات الرئيس الإيراني والتطورات العسكرية على الأرض يكشف بوضوح أن القرار العسكري في إيران بات يتركز بشكل كبير داخل أروقة الجناح المتشدد في الحرس الثوري الإيراني.


ويمتلك الحرس الثوري نفوذًا واسعًا داخل الدولة الإيرانية، إذ لا يقتصر دوره على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى قطاعات أمنية واستخباراتية وصناعية واقتصادية وثقافية، ما يجعله أحد أهم مراكز القوة والنفوذ داخل النظام.


هذا النفوذ الواسع سمح للحرس الثوري بأن يلعب دورًا حاسمًا في توجيه السياسات الدفاعية والعسكرية، بل وحتى التأثير في القرارات السياسية، وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية رغم الرسائل السياسية التي تحاول طهران إرسالها إلى الخارج.


فراغ السلطة بعد مقتل خامنئي


تأتي هذه التطورات في ظل مرحلة حساسة تعيشها إيران عقب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول من اندلاع الحرب الأخيرة، وهو الحدث الذي أحدث فراغًا كبيرًا في هرم السلطة الإيرانية.


وخلال حياة خامنئي، كان الحرس الثوري يتمتع بنفوذ واسع، إلا أن الكلمة النهائية في القضايا الأمنية والاستراتيجية كانت تعود في نهاية المطاف إلى المرشد الأعلى، الذي كان يشكل عنصر توازن بين الأجنحة المختلفة داخل النظام.


ومع غياب هذه الشخصية المحورية، بدأت تظهر بوادر صراع داخلي بين التيارات السياسية والعسكرية حول مستقبل السلطة في البلاد، وهو ما يفسر حالة الارتباك التي انعكست على القرارات الميدانية والسياسية في آن واحد.


تنظيميًا، لا يُعد الحرس الثوري جزءًا من القوات المسلحة التقليدية في إيران، إذ يمتلك هيكل قيادة مستقل ويتلقى أوامره مباشرة من المرشد الأعلى، الأمر الذي منحه على مدار السنوات الماضية استقلالية كبيرة في إدارة عملياته.


لكن مع غياب المرشد الأعلى، وجد الحرس الثوري نفسه في موقع يسمح له بتوسيع صلاحياته، مستفيدًا من حالة الحرب والفراغ السياسي داخل البلاد.


صراع الأجنحة داخل النظام الإيراني


داخل الحرس الثوري نفسه، توجد عدة تيارات، أبرزها الجناح المتشدد المعروف باسم "الصقور"، وهو التيار الذي يسيطر على مفاصل القرار العسكري ويقود الاستراتيجية الدفاعية الحالية لإيران.


ويصف مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني الحرس الثوري بأنه "جيش عقائدي"، وهو توصيف يعكس الطابع الأيديولوجي الذي يحكم تحركات هذه المؤسسة العسكرية.


ومع تصاعد التوترات الإقليمية، اتجه هذا الجناح إلى اعتماد ما يُعرف باستراتيجية "الدفاع اللامركزي"، وهي سياسة تعتمد على توزيع مراكز القيادة والعمليات العسكرية لتجنب الضربات المباشرة والحفاظ على قدرة النظام على الاستمرار.


لكن بعض الخبراء يرون أن الضربات التي استهدفت دول الخليج والأردن في الفترة الأخيرة تعكس حالة ارتباك داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، وربما محاولة لإظهار القوة في ظل الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة.


صراع الخلافة يفاقم الأزمة


تزامن هذا التصعيد مع احتدام الجدل داخل إيران حول مسألة اختيار المرشد الأعلى الجديد، وهو المنصب الأعلى في النظام السياسي الإيراني.


وينص الدستور الإيراني على أن يتم اختيار المرشد في أسرع وقت ممكن لتجنب الفراغ في السلطة، خصوصًا في أوقات الأزمات.


وكان الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي يُعد أحد أبرز المرشحين لخلافة خامنئي، غير أن وفاته في حادث تحطم مروحية عام 2024 أدت إلى إعادة خلط الأوراق داخل معسكر المحافظين، وفتحت الباب أمام صراع أوسع على هذا المنصب.


ويرى مراقبون أن الحرس الثوري يسعى إلى التأثير في عملية اختيار المرشد الجديد لضمان بقاء نفوذه داخل مؤسسات الدولة، إذ إن شخصية المرشد القادم ستحدد إلى حد كبير شكل العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية في إيران.


مستقبل النظام الإيراني على المحك


وسط هذه التطورات، يبدو أن التحديات التي تواجه النظام الإيراني تتجاوز مسألة اختيار المرشد الجديد، إذ يواجه النظام ضغوطًا داخلية وخارجية غير مسبوقة.


فعلى الصعيد الداخلي، تتزايد الانقسامات بين التيار الإصلاحي الذي يدعو إلى تعزيز المؤسسات المدنية وتقليص نفوذ العسكر، وبين التيار المتشدد الذي يرى في استمرار سيطرة الحرس الثوري ضمانة لبقاء النظام.
أما على الصعيد الخارجي، فإن تصاعد التوتر مع دول المنطقة والولايات المتحدة يزيد من تعقيد المشهد، ويضع إيران أمام خيارات صعبة في المرحلة المقبلة.


ويرى محللون أن الصراع بين الرئاسة الإيرانية والجناح المتشدد في الحرس الثوري قد يتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة داخل النظام، خصوصًا إذا استمر التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والتحركات العسكرية.


وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إيران مقبلة على مرحلة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى داخل النظام، حيث تتصاعد المواجهة بين القصر الرئاسي وصقور الحرس الثوري في معركة سياسية توصف بأنها "كسر عظام".


وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس الإيراني يقدم اعتذارًا رسميًا لدول الجوار، كانت الصواريخ تتدفق نحو تلك الدول، في رسالة اعتبرها كثيرون تحذيرًا واضحًا ليس فقط للخارج، بل أيضًا للرئاسة الإيرانية نفسها، في مؤشر على أن معركة النفوذ داخل إيران ما زالت مفتوحة على جميع الاحتمالات.