آراء وأقلام

د. خالد بن نايف الهباس يكتب: «الحرب الإيرانية... محاولة للفهم»

الجمعة 06 مارس 2026 - 08:24 ص
د. خالد بن نايف الهباس
د. خالد بن نايف الهباس

يعيش النظام الدولي على وقع قدر كبير من الاضطراب وعدم اليقين السياسيين. وتزداد حدة التنافس بين القوى الدولية وما يحمله ذلك من إسقاطات على مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. وتزداد حدة هذه الصراعات في بعض المناطق على غيرها، فيما يستدل البعض على تزايد بؤر التوتر حول العالم، كمؤشر على فشل آليات التنظيم الدولي القائمة وعدم قدرتها على حل الصراعات بالطرق السلمية من ناحية، وزيادة التنافس الدولي بشكل لافت. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما اتَّسمت الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة بتداعياتها التي تتجاوز الدول الأطراف في الحرب، لتشمل دولاً مجاورة أخرى، بل ودخول قوى دولية طرفاً فيها بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا الواقع يعود إلى أهمية المنطقة الجيوستراتيجية والاقتصادية، لاسيما فيما يتعلق بتوازنات القوى على الصعيدين الإقليمي والدولي. بالتالي يمكن فهم الحرب الدائرة رحاها بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى في هذا الإطار، وهذا ينسحب على بقية التطورات التي يشهدها الشرق الأوسط وغيره من الأقاليم، كما في غزة وسوريا وفنزويلا.

واشنطن أعلنت من خلال الرئيس الأميركي أنَّ هدف الحرب النهائي هو تغيير النظام الإيراني، بجانب - بطبيعة الحال - الأهداف المعلنة سابقاً والمتمثلة بالبرنامج النووي الإيراني وصناعة الصواريخ الباليستية وأذرع إيران في المنطقة. وهدف تغيير النظام في دولة إقليمية كبيرة مثل إيران يحمل في طياته الكثير، بما يتجاوز الأهداف الثلاثة السابق ذكرها إلى التفكير الاستراتيجي الأميركي بالنسبة لدور أميركا العالمي وتوازنات القوى الدولية؛ أي سعي واشنطن لترسيخ هيمتنها في الشؤون الدولية على حساب القوى الدولية المنافسة الأخرى. بمعنى آخر، فإنَّ ما يدور حالياً في المنطقة، بل وخارجها، يتوجب فهمه في إطار الاستراتيجية الأميركية الكبرى، التي في تصورنا أتت استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي أعلن عنها مطلع هذا العام لتعكس في بعض جزئياتها هذا المسعى.

كان من ضمن عناصر استراتيجية الأمن القومي الأميركية إعادة الانتشار للقوات الأميركية، بحيث يتم تقليل الوجود العسكري الأميركي في بعض المناطق مثل الشرق الأوسط وأوروبا، لصالح مناطق أخرى مثل نصف الكرة الغربي والشرق الأقصى. وهذا ما تم على سبيل المثال في فنزويلا التي كانت على علاقات وثيقة مع الصين وروسيا قبل إلقاء القبض على الرئيس مادورو في عملية أميركية خاصة. في الشرق الأوسط، عملية إعادة الانتشار سوف تكون مكلفة للمصالح الأميركية لو تمت قبل إعادة رسم المشهد السياسي الإقليمي بشكل يجعله موائماً للمصالح الأميركية. هذا يتطلب التخلص من القوى الإقليمية المعادية لواشنطن، والمقصود هنا إيران وأذرعها في المنطقة.

إيران تعدّ من خطوط الصدع السياسي من منظور جيوبوليتيكي؛ فهي دولة إقليمية كبيرة ذات موقع استراتيجي مهم في غرب آسيا ومدخل لوسط آسيا والشرق الأقصى، فيما تتمتع أيضاً بإمكانيات اقتصادية كبيرة، حيث تعدّ من كبريات الدول في العالم في احتياطيات النفط والغاز. وكانت كما هو معروف سابقاً - في عهد الشاه - جزءاً من الحلف الغربي، بل كانت دولة مركزية في سياسة واشنطن في المنطقة. لكن إيران الثورة أضحت معادية لواشنطن، بل أصبحت مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي، وأحد محاور الحلف الصيني الروسي الكوري الشمالي. حيث وقعت اتفاقية تعاون استراتيجي عام 2021 مع الصين، وكذلك لديها اتفاقية تعاون استراتيجي مع روسيا. هذا واقع سياسي واستراتيجي يتعارض مع التصور الاستراتيجي الأميركي للمنطقة ولتوازنات القوى الدولية.

ومن ثمّ كان سعي واشنطن لتغيير هذا الواقع من خلال القوة أمراً حتمياً كي تصبح إيران الجديدة - من وجهة نظر أميركية - صديقاً لواشنطن، أو على أقل تقدير دولة قادرة على التعايش مع واشنطن ولا تشكل تهديدا للمصالح والأولويات الأميركية في المنطقة وخارجها.

والواقع أنَّ سوريا سبقت إيران لتصبح على علاقات جيدة مع واشنطن بعد سقوط النظام السوري السابق الذي كان حليفاً لروسيا. هذه أيضاً حلقة في إعادة رسم المشهد السياسي الإقليمي بما يتماشى مع الأولويات الأميركية في المنطقة وحول العالم، وبما يخدم المصالح السورية أيضاً التي عانت سابقاً من العزلة الدولية والإقليمية. وكذلك يمكن فهم التطورات السياسية في فنزويلا وغيرها من المناطق في العالم. الدوافع واضحة، وهي استراتيجية واقتصادية. كما في الضغط الأميركي لضم جزيرة غرينلاند، واستخدام الرسوم الجمركية لتحقيق رؤية «أميركا أولاً».

لا يمكن تصور أنَّ واشنطن ستخرج من هذه الحرب خاسرة، إنما إلى أي مدى ستتمكن من تحقيق أهدافها أو جزء منها، وما يقتضيه ذلك بالنسبة لوحدة إيران وسلامة ترابها الوطني في أسوأ الحالات. كما أنه من المهم استشراف أثر هذه التطورات على الدول العربية، وخاصة الدول الخليجية التي هي على تماس مباشر مع هذه التطورات. من ناحية أخرى، كيف ستسعى إسرائيل إلى استغلال الظرف الإقليمي والدولي لتعزيز مكانتها الإقليمية؟ وما تقاطعات المشهد الشرق أوسطي مع المناطق المجاورة، مثل القرن الأفريقي؟ هذه أسئلة مشروعة وجوهرية تتجاوز الإجابة عنها الهدف من هذه المقالة.

نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط