دراسات وأبحاث

أزمة جديدة بين إثيوبيا وإريتريا.. تحركات عسكرية تنذر بتجدد الصراع

الخميس 05 مارس 2026 - 07:00 م
نرمين عزت
الأمصار

تشهد منطقة القرن الأفريقي خلال الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، في تطور يعيد إلى الواجهة مخاوف عودة الصراع بين البلدين بعد سنوات من التقارب النسبي. 

ومع تبادل الاتهامات بين الجانبين، وظهور تقارير عن تحركات عسكرية قرب الحدود، إضافة إلى تعقيدات الوضع في إقليم تيغراي، باتت المنطقة تواجه مرحلة جديدة من التوتر قد تحمل تداعيات سياسية وأمنية واسعة.

وخلال شهري فبراير ومارس 2026، شهدت العلاقات بين البلدين تصعيداً لافتاً، تزامن مع تحذيرات دولية من احتمال اندلاع أزمة جديدة في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا حساسية من الناحية الجيوسياسية. 

وفي ظل هذه التطورات، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الخلافات بين أديس أبابا وأسمرة، وأسباب تجدد التوتر بينهما، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مواجهة جديدة قد تؤثر في استقرار القرن الأفريقي بأكمله.

وفي الأشهر الأخيرة تصاعدت التوترات بين إثيوبيا وإريتريا بشكل ملحوظ، ما دفع العديد من المراقبين إلى التحذير من احتمال اندلاع صراع جديد في منطقة القرن الأفريقي. 

ويعود هذا التصعيد إلى عدة عوامل متشابكة، أبرزها الصراع في إقليم تيغراي، والخلافات حول الحدود، إضافة إلى طموحات إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر الأراضي الإريترية.

وفيما يلي تقرير مفصل يوضح خلفيات الأزمة وتطوراتها الأخيرة واحتمالات المستقبل.

تصاعد التوترات بين إريتريا وإثيوبيا: صراع قديم يعود إلى الواجهة.

تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي أمس

وقد وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمس، تحذيرا شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكدا أن بلاده "لن تمنح أسمرا فرصة أخرى" لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل "سيكون الأخير".

تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي جاءت الأربعاء خلال مقابلة مع وكالة الأنباء الإثيوبية بـ«اللغة التغرينية»، وهي اللغة الرسمية لدولة إريتريا تناول فيها تطورات الأوضاع بإقليم تيغراي، والوضع الراهن في علاقات بلاده بإريتريا.

وخلال مقابلته، اتهم آبي أحمد القوات الإريترية بارتكاب انتهاكات جسيمة في حرب تيغراي بعدد من مدن الإقليم، بينها أكسوم ،عدوة، عدي غرات وشيري، مشيراً إلى سقوط مدنيين وتدمير ممتلكات عامة وخاصة، إضافة إلى عمليات نهب ممنهجة طالت مؤسسات ومصانع.

وأقر بأن الحكومة الفيدرالية كانت آنذاك منشغلة بمواجهة قوات جبهة تحرير تيغراي، ما قيد قدرتها على التعامل مع ما وصفه بـ"التوغلات الأجنبية" داخل الإقليم.

وبلهجة تحذيرية حادة، قال رئيس الوزراء الإثيوبي إنه يوجه رسالة واضحة الى الحزب الحاكم في إريتريا (الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة) قائلا إن إثيوبيا "تعرف سلوكه جيدا ولن تمنحه فرصة جديدة لإيذاء شعبها".

وأضاف: "إذا حاول مرة أخرى، فأعتقد أن تلك ستكون محاولتها الأخيرة".

خلفية تاريخية للصراع بين البلدين

العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا اتسمت بالتقلب منذ استقلال إريتريا عام 1993 بعد حرب طويلة ضد الحكم الإثيوبي. 

وبعد سنوات قليلة فقط من الاستقلال اندلعت حرب حدودية دامية بين البلدين بين عامي 1998 و2000 أسفرت عن مقتل نحو 100 ألف شخص، وتركت الحدود بينهما منطقة توتر دائم.

وفي عام 2018 شهدت العلاقات انفراجة كبيرة عندما وقع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اتفاق سلام مع الرئيس الإريتري إسياس أفورقي، وهو الاتفاق الذي أنهى رسمياً حالة الحرب بين البلدين ومنح آبي أحمد لاحقاً جائزة نوبل للسلام. 

لكن هذه المصالحة لم تصمد طويلاً، إذ عادت الخلافات تدريجياً بعد الحرب في إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022.  

الحرب في تيغراي وتأثيرها على العلاقة بين البلدين

يعد الصراع في إقليم تيغراي العامل الأكثر تأثيراً في العلاقات الحالية بين إثيوبيا وإريتريا، فقد اندلعت حرب أهلية في الإقليم عام 2020 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وانضمت إريتريا إلى جانب الحكومة الإثيوبية في القتال.

استمرت الحرب نحو عامين وأسفرت عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في أفريقيا، حيث تشير التقديرات إلى سقوط مئات الآلاف من الضحايا.  

وفي نوفمبر 2022 تم توقيع اتفاق سلام في مدينة بريتوريا أنهى القتال رسمياً، لكن إريتريا لم تكن طرفاً مباشراً في الاتفاق، وهو ما خلق توتراً بينها وبين أديس أبابا لاحقاً.  

كما شهدت بداية عام 2026 اشتباكات محدودة بين القوات الإثيوبية وقوات تيغراي، ما أعاد المخاوف من انهيار اتفاق السلام.  

اتهامات متبادلة بدعم جماعات مسلحة

في الفترة الأخيرة تبادلت الحكومتان اتهامات مباشرة، حيث اتهمت إثيوبيا إريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل أراضيها والعمل مع فصائل متمردة في شمال البلاد.

ووجهت أديس أبابا رسالة رسمية إلى أسمرة تطالبها بسحب قواتها فوراً من الأراضي الإثيوبية، مؤكدة أن وجود القوات الإريترية يمثل "عملاً عدائياً".  

من جانبها تنفي إريتريا هذه الاتهامات، لكن تقارير عديدة تشير إلى وجود تحركات عسكرية على الحدود المشتركة بين البلدين، ما يزيد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية.  

أزمة الوصول إلى البحر الأحمر

أحد أخطر أسباب التوتر الحالي يتمثل في سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري.

فإثيوبيا تعد أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، إذ فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993. 

ولذلك تسعى الحكومة الإثيوبية منذ سنوات للحصول على منفذ على البحر الأحمر، وخاصة عبر ميناء عصب الإريتري.

وقد صرح رئيس الوزراء الإثيوبي بأن بلاده "لن تبقى دولة حبيسة إلى الأبد"، وهو تصريح أثار قلق إريتريا التي اعتبرته تهديداً لسيادتها.  

ويرى محللون أن هذا الملف قد يكون أخطر عوامل الصراع في المستقبل، لأنه يتعلق بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية لإثيوبيا.

التحركات العسكرية والتوتر على الحدود

تشير تقارير حديثة إلى أن كلا البلدين عززا وجودهما العسكري قرب الحدود، خاصة في المناطق القريبة من إقليم تيغراي.

كما تحدث سكان في المنطقة عن دخول قوات إريترية إلى مناطق حدودية داخل إثيوبيا، وهو ما اعتبره البعض مؤشراً على احتمال اندلاع مواجهة جديدة.  

وفي المقابل حشدت الحكومة الإثيوبية قوات ومدفعية قرب الإقليم الشمالي، في خطوة اعتبرها مراقبون استعداداً لأي تصعيد محتمل.  

البعد الإقليمي للصراع

لا تقتصر هذه الأزمة على البلدين فقط، بل لها تأثيرات إقليمية واسعة في منطقة القرن الأفريقي.

فالمنطقة تشهد بالفعل أزمات متعددة، مثل الحرب في السودان والتوترات في الصومال، ما يجعل أي صراع جديد بين إثيوبيا وإريتريا تهديداً للاستقرار الإقليمي.

كما أن بعض الدول الإقليمية قد تتأثر مباشرة بالصراع بسبب علاقاتها السياسية أو مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر.  

هل تندلع حرب جديدة؟

حتى الآن لم تتحول التوترات إلى حرب شاملة، لكن العديد من مراكز الأبحاث الدولية تحذر من أن المنطقة أصبحت "برميل بارود" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

ويرى خبراء أن أي مواجهة عسكرية بين إثيوبيا وإريتريا ستكون لها تداعيات خطيرة، ليس فقط بسبب قوة الجيشين، بل أيضاً بسبب تعقيد الصراعات الداخلية في إثيوبيا، خاصة في أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا.  

وفي ختام هذا المشهد المتوتر، تبدو العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا أمام مفترق طرق جديد، في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة والتحركات العسكرية على الحدود، إلى جانب تعقيدات الأوضاع في إقليم تيغراي. 

وبعد سنوات من التقارب الذي أعقب اتفاق السلام عام 2018، عادت الخلافات القديمة لتطفو على السطح من جديد، مدفوعة بحسابات سياسية وأمنية معقدة.

ومع استمرار حالة الترقب في منطقة القرن الأفريقي، تبقى جميع الاحتمالات مفتوحة بين التهدئة عبر المسارات الدبلوماسية أو الانزلاق نحو تصعيد أوسع قد يهدد استقرار المنطقة.

لذلك يترقب المجتمع الدولي تطورات الأزمة عن كثب، أملاً في احتواء التوتر ومنع تحوله إلى صراع جديد في واحدة من أكثر مناطق القارة الأفريقية حساسية.