في مشهد وصف بأنه الأخطر في تاريخ المواجهة بين إسرائيل وإيران، تحوّل الدخان المتصاعد فوق العاصمة الإيرانية طهران إلى إعلان عملي عن نجاح واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة، والتي انتهت بمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وفق ما نقلته تقارير إعلامية غربية.
العملية، بحسب ما أوردته شبكة CNN وصحيفة Financial Times، لم تكن وليدة لحظة، بل نتيجة سنوات من العمل الاستخباراتي المنظم، الذي اعتمد على اختراق شبه كامل لمنظومة كاميرات المرور في شوارع طهران، وتحليل مليارات البيانات عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة.
ووفقًا لمسؤول إسرائيلي تحدث للإعلام الأمريكي، فإن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية نجحت منذ سنوات في اختراق كاميرات المرور المنتشرة في العاصمة الإيرانية، ما أتاح لها بناء خريطة رقمية دقيقة للمدينة، شملت أنماط الحركة اليومية، ونقاط التمركز الأمني، ومسارات تنقل الشخصيات المهمة.
وبحسب التقارير، جرى تشفير الصور الملتقطة من الكاميرات وإرسالها إلى خوادم في تل أبيب ومناطق جنوب إسرائيل، حيث كانت تُحلل ضمن منظومة متكاملة أطلق عليها أحد المصادر وصف “آلة إنتاج الأهداف”، في إشارة إلى قدرتها على تحديد أهداف دقيقة استنادًا إلى تحليل البيانات الضخمة.

إحدى الكاميرات، وفق مصدر مطلع، كانت توفر زاوية رؤية استراتيجية مكّنت المحللين من رصد أماكن ركن سيارات أفراد الحماية، وتتبع الروتين اليومي لبعض القيادات الأمنية، بما في ذلك توقيتات الوصول والمغادرة والطرق المعتادة المستخدمة.
لم تقتصر العملية على المراقبة البصرية فقط، بل استعانت إسرائيل بأسلوب رياضي يعرف بتحليل الشبكات الاجتماعية، بهدف تحديد مراكز الثقل داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، واكتشاف الروابط غير المباشرة بين الشخصيات الأمنية والسياسية.
البيانات التي تمت معالجتها لم تقتصر على الصور، بل شملت معلومات استخباراتية بشرية، واعتراض اتصالات، وصور أقمار صناعية، وإشارات إلكترونية. وتم تحويل كل ذلك إلى إحداثيات رقمية دقيقة مكونة من رقمًا لتحديد المواقع المستهدفة.
وقد تولّت تنفيذ هذا المشروع وحدة الاستخبارات الإلكترونية الإسرائيلية الوحدة 8200، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي الموساد، إضافة إلى فرق تحليل تابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

التقارير الغربية أشارت إلى أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني لم يكن مجرد نجاح تقني، بل قرارًا سياسيًا عالي المستوى. ووفقًا لأكثر من ستة مسؤولين حاليين وسابقين في الاستخبارات الإسرائيلية، فإن تصفية خامنئي جاءت بعد نقاشات موسعة حول توقيت الضربة وتداعياتها الإقليمية.
الفرصة الحاسمة، بحسب المعلومات، جاءت عندما تأكدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وكالة الاستخبارات المركزية وإسرائيل من عقد خامنئي اجتماعًا صباح السبت في مكتبه قرب شارع باستور بطهران، بحضور عدد من كبار القادة العسكريين.
وخلص التقدير الاستخباراتي إلى أن استهدافه قبل اندلاع مواجهة شاملة سيكون أكثر فاعلية، إذ من المتوقع أن يلجأ القادة الإيرانيون فور اندلاع الحرب إلى ملاجئ محصنة تحت الأرض، ما يصعّب عملية تصفيتهم.
على عكس الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، الذي أمضى سنوات في ملاجئ تحت الأرض وتجنب عدة محاولات اغتيال، فإن خامنئي لم يكن يعيش في عزلة كاملة، بل استمر في الظهور العلني، رغم حديثه المتكرر عن احتمال مقتله.
وتشير التقارير إلى أن نصر الله قُتل في سبتمبر 2024 بعد أن ألقت طائرات إسرائيلية عشرات القنابل على مخبئه في بيروت، في عملية مشابهة من حيث التخطيط الاستخباراتي، لكنها مختلفة من حيث الظروف الأمنية المحيطة بالهدف.
في تطور لافت، كشف الجنرال الأمريكي دان كين أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أصدر عند الساعة 3:38 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الجمعة أمرًا بالموافقة على تنفيذ الضربة، تحت مسمى “عملية الغضب الملحمي”، مع تعليمات واضحة بعدم الإلغاء.
ووفق الإحاطة الأمريكية، فإن الهجوم نُفذ بدعم من مجتمع الاستخبارات الأمريكي، في ضربة نهارية استندت إلى “حدث محفز”، يُعتقد أنه تأكيد موقع خامنئي داخل المجمع بدقة.
وخلال ساعات من تنفيذ الضربة، بدأت مؤشرات التفاؤل الإسرائيلي ترتفع، قبل أن يعلن التلفزيون الرسمي الإيراني فجر الأحد مقتل المرشد الأعلى الإيراني، مؤكدًا نجاح العملية.
العملية الأخيرة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق لإسرائيل أن نفذت سلسلة عمليات استهدفت علماء ومسؤولين في البرنامج النووي الإيراني، كما تمكنت في وقت سابق من الحصول على الأرشيف النووي الإيراني في عملية وُصفت بالمعقدة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن النظام الاستخباراتي الذي استُخدم في عملية اغتيال خامنئي جرى تطويره على مدى عقد كامل، ويتطلب فرقًا من محللي البيانات وخبراء تقنيين ومهندسين للتحقق من الأهداف قبل تنفيذ أي ضربة.
مقتل المرشد الأعلى الإيراني يفتح الباب أمام مرحلة سياسية وأمنية جديدة داخل إيران، مع تصاعد التساؤلات حول آلية اختيار خليفة له، ودور الحرس الثوري الإيراني في إدارة المرحلة الانتقالية.
كما يُتوقع أن تمتد تداعيات العملية إلى ساحات إقليمية عدة، من بينها لبنان والعراق واليمن، في ظل ارتباط قوى إقليمية بطهران بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة.
وفي الوقت الذي لم تُكشف فيه جميع تفاصيل العملية، رجّحت صحيفة “فايننشال تايمز” أن تبقى بعض الجوانب طي الكتمان، حفاظًا على مصادر وأساليب استخباراتية لا تزال مستخدمة لتعقب أهداف أخرى.
وبينما تصف إسرائيل العملية بأنها نجاح أمني غير مسبوق، يرى مراقبون أن ما حدث يمثل تحوّلًا استراتيجيًا في قواعد الاشتباك بين تل أبيب وطهران، ويؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة، عنوانها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأدوات الحرب غير التقليدية.