تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا غير مسبوق في حدة التوتر بين إسرائيل وإيران، وسط انخراط أمريكي مباشر في المواجهة.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبدو إسرائيل لاعبًا رئيسيًا ليس فقط في إدارة الصراع ميدانيًا، بل كذلك في توجيه دفة السياسة الأمريكية تجاه طهران. ويأتي هذا التحرك في سياق تحولات استراتيجية أوسع، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالأبعاد السياسية، والاعتبارات الأمنية بالأهداف بعيدة المدى المتعلقة بإعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم.
السياق العام للتصعيد
منذ اندلاع المواجهة الأخيرة في يونيو 2025، اتخذت إسرائيل مسارًا متدرجًا في الاشتباك مع إيران، مختلفًا عن أسلوبها التقليدي في التعامل مع الوكلاء الإقليميين لطهران.
فقد استندت تل أبيب إلى ما اعتبرته غطاءً قانونيًا دوليًا بعد صدور قرار عن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يدين إيران لعدم الامتثال لمعاهدة عدم الانتشار النووي. هذا التطور منح إسرائيل مساحة أوسع لتبرير تحركاتها عسكريًا ودبلوماسيًا، وساهم في تعزيز التنسيق مع واشنطن والعواصم الأوروبية.
في الوقت ذاته، كثّف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تحركاته السياسية في الولايات المتحدة، مستفيدًا من التقارب مع الإدارة الأمريكية الحالية، بهدف تثبيت خطوط حمراء صارمة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أبرزها تصفير تخصيب اليورانيوم وتفكيك البنية النووية والصاروخية بالكامل.
محددات الدور الإسرائيلي في المواجهة
الدعم الاستخباراتي
يشكل البعد الاستخباراتي أحد أهم أعمدة الدور الإسرائيلي في التصعيد. فعلى مدار سنوات، عملت الأجهزة الإسرائيلية على بناء شبكة معلومات واسعة حول البرنامج النووي الإيراني، مستفيدة من عمليات نوعية سابقة عززت سرديتها بشأن تقدم طهران في مسار التسلح النووي. وتُعد إسرائيل شريكًا استخباراتيًا محوريًا للولايات المتحدة في هذا الملف، حيث يتم تبادل المعلومات بصورة مكثفة، خاصة في ظل إدارة أمريكية تتبنى نهجًا أكثر تشددًا تجاه إيران.
كما برزت أهمية الاستخبارات البشرية داخل إيران خلال المواجهة الأخيرة، سواء في تحديد بنك الأهداف أو في تقييم الأضرار الناتجة عن الضربات الجوية.
هذا التكامل الاستخباراتي ساعد في توجيه الضربات نحو منشآت حساسة، مثل مواقع نطنز وأصفهان وفوردو، التي تتطلب قدرات تقنية عالية لاستهدافها نظرًا لتحصينها العميق.
الدعم اللوجيستي وتعزيز الانتشار العسكري
على الصعيد اللوجيستي، شهدت القواعد والمطارات الإسرائيلية نشاطًا مكثفًا يعكس استعدادًا لسيناريوهات تصعيد واسعة. فقد عززت الولايات المتحدة وجودها في الموانئ والمطارات الإسرائيلية، مع تكثيف رحلات النقل العسكري وطائرات التزود بالوقود، بما يشير إلى تحضيرات لعمليات بعيدة المدى تتطلب إسنادًا جويًا مستمرًا.
كما استقبلت القواعد الجوية الإسرائيلية مقاتلات أمريكية متطورة، بينها طرازات إف-15 وإف-35 وإف-22، في إطار ترتيبات دفاعية وهجومية محتملة. ويعكس هذا الانتشار حجم التنسيق العملياتي بين الجانبين، ويعزز قدرة إسرائيل على لعب دور منصة انطلاق متقدمة لأي تحرك عسكري أمريكي ضد إيران.
الانخراط العسكري المباشر
لا يقتصر الدور الإسرائيلي على الدعم غير المباشر، بل يمتد إلى انخراط عسكري فعلي. فإسرائيل تمتلك واحدة من أكثر القوات الجوية تطورًا في المنطقة، وهي المشغل الإقليمي الوحيد لمقاتلات إف-35 من الجيل الخامس، إلى جانب أسطول كبير من مقاتلات إف-15.
وقد اكتسبت هذه القوات خبرة عملياتية في المواجهة المباشرة مع إيران خلال حرب يونيو 2025، التي شهدت مشاركة واسعة للطائرات الإسرائيلية في عمليات هجومية واعتراضية.
هذا التفوق الجوي يمنح إسرائيل قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد مواقع الصواريخ والمنشآت النووية، إضافة إلى اعتراض الهجمات الصاروخية المحتملة.
كما أن قربها الجغرافي من مسرح العمليات يوفر ميزة زمنية ولوجيستية مقارنة بحلفاء آخرين للولايات المتحدة.
حسابات إسرائيل الاستراتيجية
البعد التخطيطي وإدارة الأهداف
تنطلق الحسابات الإسرائيلية من إدراك أن الفرصة السياسية الحالية قد لا تتكرر، في ظل وجود إدارة أمريكية متعاطفة مع رؤيتها الأمنية.
ومن ثم تسعى القيادة الإسرائيلية إلى ضمان أن أي حملة عسكرية ضد إيران لا تكون محدودة أو رمزية، بل تؤدي إلى تقويض شامل لقدرات طهران الصاروخية والنووية.
وتخشى إسرائيل من أن يقتصر التحرك الأمريكي على ضربات قصيرة الأمد دون تغيير جذري في ميزان القوى. لذلك تعمل على التأثير في تحديد الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية للحملة، مع التركيز على منع إيران من إعادة بناء قدراتها بسرعة بعد انتهاء العمليات.
كما تبرز في هذا السياق فكرة إضعاف النظام الإيراني عبر استنزاف قدراته العسكرية والاقتصادية، وربما تهيئة الظروف لمرحلة من الاضطراب الداخلي، عبر تكثيف الضغوط الأمنية والاقتصادية بالتوازي مع العمليات العسكرية.
البعد العملياتي وتدرج المراحل
على المستوى العملياتي، تتبنى إسرائيل مقاربة متعددة المراحل.
تبدأ المرحلة الأولى باستهداف ما تبقى من منظومات الدفاع الجوي ومخزون الصواريخ الباليستية ومواقع الإنتاج.
تليها مرحلة أوسع نطاقًا تستهدف البنية التحتية السيادية والاقتصادية، بما يشمل مراكز القيادة والمنشآت الحيوية.
أما المرحلة الثالثة، فتتعلق بتوسيع نطاق الضغط عبر أدوات غير تقليدية، مثل دعم التحركات الداخلية المناهضة للنظام أو تكثيف الحرب السيبرانية.
ويعكس هذا التدرج رغبة إسرائيل في إطالة أمد الصراع إذا لزم الأمر، لضمان تحقيق أهداف بعيدة المدى تتجاوز مجرد توجيه ضربة عقابية.
تداعيات إقليمية ودولية محتملة
لا يمكن فصل الحسابات الإسرائيلية عن التداعيات الإقليمية الأوسع.
فالتصعيد مع إيران يهدد بفتح جبهات متعددة عبر وكلاء طهران في المنطقة، ما يضع دول الجوار أمام تحديات أمنية جسيمة.
كما أن امتداد الصراع قد يؤثر في أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من حدة الاستقطاب الدولي بين القوى الكبرى.
في المقابل، ترى إسرائيل أن كلفة عدم التحرك قد تكون أعلى، خاصة إذا واصلت إيران تطوير قدراتها الصاروخية وتوسيع مدى نفوذها الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، تعتبر أن المواجهة الحالية تمثل لحظة حاسمة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وترسيخ معادلة ردع جديدة.
في المحصلة، يتجاوز الدور الإسرائيلي في التصعيد مع إيران حدود المشاركة العسكرية التقليدية، ليشمل التأثير في صياغة الاستراتيجية الأمريكية، وتحديد أهداف المواجهة، وإدارة مراحلها المختلفة.
وبينما تتشابك الأبعاد الاستخباراتية واللوجيستية والعملياتية، تسعى إسرائيل إلى استثمار الظرف السياسي القائم لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.
غير أن مسار التصعيد يظل محفوفًا بالمخاطر، في ظل احتمالات التوسع الإقليمي وتداخل حسابات القوى الدولية.
وبين الرغبة في تقويض التهديد الإيراني والخشية من انفجار شامل، تبقى المنطقة على مفترق طرق قد يعيد تشكيل ملامحها الأمنية والسياسية لسنوات مقبلة.