شهدت الحدود الجنوبية لدولة ليبيا تطورات أمنية لافتة أعادت ملف الجنوب إلى واجهة الأحداث، بعد اندلاع مواجهات بين قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر ومسلحين يتبعون ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب» بقيادة محمد وردقو.
التوتر تفجّر على امتداد الشريط الحدودي بين ليبيا ودولة النيجر، بطول يقارب 340 كيلومتراً، من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً عند ممر السلفادور، وصولاً إلى النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً. وتُعد هذه المنطقة من أكثر النقاط حساسية، نظراً لطبيعتها الصحراوية المفتوحة وصعوبة مراقبتها، فضلاً عن كونها ممراً تقليدياً لعمليات التهريب وتحركات الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
الهجوم الأخير، الذي وقع في يناير الماضي، استهدف ثلاث نقاط حدودية خاضعة لسيطرة «الجيش الوطني الليبي»، وأسفر عن مقتل ثلاثة من منتسبيه وإصابة آخرين، إضافة إلى وقوع عدد من الجنود في الأسر قبل أن تعلن القيادة العامة لاحقاً تحريرهم.
ووصف الجيش الهجوم بأنه «إرهابي غادر»، متهماً جهات معادية بالوقوف خلفه.
رداً على الهجوم، نفذت قوات «النخبة» التابعة للجيش الوطني عملية عسكرية وصفتها بـ«النوعية والدقيقة» في عمق الجنوب.
وأعلنت القيادة العامة تحييد عدد من المسلحين وأسر آخرين، مع مصادرة أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية.
كما تداولت وسائل إعلام محلية أنباء عن القبض على قائد الفصيل محمد وردقو، غير أن مصادر مقربة من حكومة «الوحدة الوطنية» في العاصمة الليبية طرابلس نفت صحة تلك المعلومات.
وفي هذا السياق، قال المستشار السياسي بالقيادة العامة، الدكتور عبد الله عثامنة، إن ما يجري يأتي ضمن «استراتيجية وطنية لتحرير الجنوب الليبي من هيمنة القوات الأجنبية والمجموعات الخارجة عن القانون».
وأشار إلى أن الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، أشرف على عملية تحرير الجنود خلال أقل من 48 ساعة، في رسالة تؤكد تمسك القيادة بفرض السيطرة على كامل التراب الليبي.
التطورات الأخيرة أعادت التذكير بتاريخ المنطقة، لا سيما ملف «أوزو» الحدودي، الذي شكّل محور نزاع طويل بين ليبيا وتشاد قبل أن تحسمه محكمة العدل الدولية لصالح تشاد في تسعينات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، تحولت بعض المناطق الحدودية إلى بؤر هشاشة أمنية تستغلها جماعات مسلحة، بينها فصائل تشادية متمردة.
ويرى مراقبون أن الجنوب الليبي ظل لسنوات ملاذاً لمتمردين من دول الجوار، وأن بعض العناصر التي شاركت في أحداث تشاد عام 2021، والتي قُتل خلالها الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، انطلقت من مناطق جنوب ليبيا.

في المقابل، تؤكد ما تُسمى «غرفة عمليات تحرير الجنوب» أنها حققت «انتصارات ميدانية» وفرضت سيطرة على أجزاء من الشريط الحدودي، وهي رواية ينفيها الجيش الوطني الليبي. ويذهب محللون إلى أن الصراع لا يقتصر على بعده الأمني، بل يرتبط أيضاً بطرق التهريب ومسارات الهجرة غير النظامية وفرض الإتاوات على المعابر.
ويشير كتاب ومحللون ليبيون إلى أن بعض التشكيلات المسلحة في الجنوب لم ترتبط بمشروع وطني واضح، بل تحركت وفق توازنات القوة ومصادر التمويل، خصوصاً بعد انتهاء جولات الصراع الداخلي بين معسكري الشرق والغرب في ليبيا.
مع استمرار عمليات الكر والفر في عمق الصحراء، تبدو الحدود الجنوبية الليبية مرشحة لمزيد من التصعيد، في ظل تشابك العوامل المحلية والإقليمية، واتساع الرقعة الجغرافية، وغياب سلطة موحدة تبسط نفوذها الكامل على كامل التراب الليبي.
وبين روايات متضاربة حول السيطرة الميدانية، يبقى الجنوب الليبي ساحة مفتوحة على احتمالات أمنية معقدة قد تمتد تداعياتها إلى دول الجوار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.