دراسات وأبحاث

تصدع المسار المدني.. تجميد المفاوضات بين لبنان وإسرائيل

الجمعة 27 فبراير 2026 - 01:17 ص
غاده عماد
لبنان وإسرائيل
لبنان وإسرائيل

تشهد لجنة «الميكانيزم» المشكّلة عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» عام 2024 تراجعًا ملحوظًا في دورها السياسي، بعدما انحصر نشاطها في الإطار العسكري – الأمني، مع غياب الموفدين المدنيين الذين أُدخلوا إليها في مرحلة لاحقة لرفع مستوى التفاوض. ويأتي هذا التراجع في وقت تتصاعد فيه التوترات على الحدود الجنوبية للبنان، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل المسار التفاوضي المدني وإمكان إحيائه في ظل المعطيات الإقليمية الراهنة.

الاجتماع الأخير للجنة، الذي عُقد في مقر قوات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان في بلدة الناقورة، عكس بوضوح هذا التحول، إذ غاب عنه الموفدون المدنيون، كما تغيب رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، إضافة إلى المندوب الإسرائيلي، من دون تقديم توضيحات رسمية حول أسباب المقاطعة.

غياب أميركي وإسرائيلي يثير علامات استفهام

الاجتماع الذي ترأسه نائب رئيس اللجنة، الجنرال الفرنسي فالنتين سيلير، عُقد في أجواء مشحونة نتيجة احتكاكات ميدانية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. إلا أن اللافت كان الغياب المتزامن لرئيس اللجنة الأميركي والمندوب الإسرائيلي، وكذلك توقف المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس عن المشاركة في الاجتماعات الأخيرة.

مصادر لبنانية رسمية ربطت المقاطعة الإسرائيلية بما وصفته بـ«الانزعاج الواضح» من تحركات الجيش اللبناني جنوب الليطاني، لا سيما استحداث نقاط مراقبة جديدة لرصد التوغلات الإسرائيلية. وتؤكد هذه المصادر أن انتشار الجيش اللبناني وتعزيز وجوده في تلك المنطقة يأتيان ضمن قرار سيادي مدعوم دوليًا، ولا يمكن القبول بأي اعتراض عليه.

في المقابل، لم يصدر تعليق رسمي من الجانب الإسرائيلي أو الأميركي يوضح أسباب الغياب، ما يعزز الانطباع بأن اللجنة دخلت مرحلة تجميد سياسي غير معلن.

خلفية «الميكانيزم» ودورها في تنفيذ القرار 1701
تأسست لجنة «الميكانيزم» لتكون إطارًا تنسيقيًا يضم ممثلين عسكريين عن لبنان وإسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا و«اليونيفيل»، بهدف متابعة تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي ينص على وقف الأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.

وكانت اللجنة في بدايتها منصة لتبادل المعلومات حول خروقات محتملة، حيث تقوم إسرائيل بإبلاغ الجيش اللبناني عبرها عن مواقع تقول إنها تشكل تهديدًا، على أن يتولى الجيش التحقق والمعالجة. غير أن إسرائيل لطالما اشتكت من بطء المعالجة أو عدم فعاليتها، ما كانت تتخذه ذريعة لتنفيذ ضربات جوية.

لاحقًا، جرى تطعيم اللجنة بمفاوضين مدنيين من بيروت وتل أبيب، في خطوة اعتُبرت تمهيدًا لتوسيع نطاق البحث ليشمل قضايا أوسع، من بينها ترتيبات أمنية طويلة الأمد وربما ملفات اقتصادية. لكن هذه المشاركة المدنية جُمّدت في الأشهر الأخيرة، ليعود عمل اللجنة إلى طابعه العسكري البحت.

خلاف حول طبيعة التفاوض المدني
يرى مراقبون أن الخلاف حول أجندة التفاوض المدني كان أحد أسباب التعثر. فبحسب مصادر مطلعة، كانت إسرائيل تسعى إلى توسيع النقاش ليشمل علاقات اقتصادية وترتيبات تتجاوز الإطار الأمني، فيما تمسك لبنان بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار أولًا، والعودة إلى اتفاقية الهدنة كمرجعية قانونية.

وقد سمّى الرئيس اللبناني جوزيف عون السفير سيمون كرم ممثلًا مدنيًا لرفع مستوى التفاوض، في خطوة هدفت إلى إضفاء طابع سياسي على اللجنة. غير أن تباين الرؤى بشأن جدول الأعمال، إضافة إلى التحولات الإقليمية، أديا إلى تجميد هذا المسار.

توجه أميركي نحو صيغة ثلاثية
تشير معلومات متقاطعة إلى أن واشنطن تدرس استبدال «الميكانيزم» بلجنة ثلاثية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة فقط، في إطار أكثر مرونة وفعالية من وجهة نظرها. ويُعتقد أن هذا الطرح يرتبط برغبة أميركية في تقليص الدور الفرنسي داخل اللجنة، وكذلك بإعادة صياغة الإطار التفاوضي بما يتلاءم مع تطورات الصراع الأوسع في المنطقة.

وتؤكد مصادر لبنانية أن مصير أي صيغة جديدة يبقى مرتبطًا بمآلات الصراع الأميركي – الإيراني، إذ تنعكس تجلياته مباشرة على الساحة اللبنانية، التي تُعد إحدى ساحات الاشتباك غير المباشر بين الطرفين.

تصعيد ميداني يطغى على المسار السياسي

التجميد السياسي يتزامن مع تصعيد عسكري ملحوظ في الجنوب، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة احتكاكات متكررة ومحاولات إسرائيلية لمنع الجيش اللبناني من تثبيت نقاط جديدة. كما تستمر الطلعات الجوية الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية، في خرق متكرر للسيادة.

ويرى محللون أن أي حديث عن مفاوضات مدنية في ظل هذا المناخ يبدو غير واقعي، إذ يصعب الانتقال إلى ترتيبات سياسية في أجواء يغلب عليها منطق القوة. فالمقاربة الأميركية الحالية، بحسب بعض الخبراء، تقوم على أولوية نزع سلاح «حزب الله» والدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وهو طرح يثير انقسامًا داخليًا لبنانيًا واسعًا.

السويداء نموذجًا لتأثير الديناميكيات الإقليمية

في سياق موازٍ يعكس هشاشة المشهد الإقليمي، شهدت محافظة السويداء في جنوب سوريا عملية تبادل أسرى ومحتجزين بين الحكومة السورية وفصائل درزية، بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. هذه الخطوة الإنسانية، رغم أهميتها، جاءت بعد أشهر من الاشتباكات العنيفة التي شهدتها المحافظة في يوليو 2025، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى.

ويشير مراقبون إلى أن التطورات في الجنوب السوري، كما في الجنوب اللبناني، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازنات الإقليمية وبالعلاقة بين طهران وواشنطن، فضلًا عن الحسابات الإسرائيلية.

انعكاسات إقليمية أوسع

تزامنًا مع هذه التطورات، أعلن وزير العدل العراقي خالد شواني أن بلاده تسلمت آلاف السجناء المنتمين إلى تنظيم «داعش» من سوريا، في خطوة تعكس استمرار تداعيات النزاعات الإقليمية على دول الجوار.

هذه الوقائع تؤكد أن المشهد الأمني في المشرق لا يمكن فصله عن بعضه البعض، وأن أي تسوية في لبنان ستبقى رهينة التفاهمات أو المواجهات الأوسع في المنطقة.

مستقبل «الميكانيزم» بين الإحياء والاستبدال

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن لجنة «الميكانيزم» دخلت مرحلة انتظار، بانتظار اتضاح اتجاه الرياح الإقليمية. فإما أن يُعاد تفعيلها بصيغة مطوّرة تشمل بُعدًا سياسيًا واضحًا، أو أن تُستبدل بإطار ثلاثي جديد تقوده واشنطن.

حتى ذلك الحين، سيبقى دورها مقتصرًا على إدارة التوترات الميدانية ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، من دون القدرة على إحداث اختراق سياسي فعلي. وبينما تتكاثر الأسئلة حول مستقبل الحدود الجنوبية للبنان، يبقى الجواب مؤجلًا إلى حين نضوج تسوية إقليمية أوسع تعيد رسم خطوط الاشتباك والتفاهم في آن واحد.