يأتي شهر رمضان في اليمن محمّلًا بعبق التاريخ وروح الأصالة، حيث تختلط الأجواء الإيمانية بالتقاليد الاجتماعية الراسخة، فتتشكل لوحة رمضانية فريدة تعكس عمق الهوية اليمنية.
فعلى امتداد المدن من صنعاء القديمة إلى تعز وعدن وحضرموت، يعيش اليمنيون الشهر الفضيل بروح جماعية، تتجلى فيها قيم التكافل، وصلة الرحم، وإحياء الموروث الشعبي الذي تناقلته الأجيال عبر قرون طويلة.
قبل حلول رمضان بأيام، تبدأ الأسر اليمنية في التحضير لاستقبال الشهر الكريم. تُنظَّف البيوت وتُرتَّب المجالس، وتُجدَّد أواني الطهي، ويُعاد ترتيب المخازن المنزلية استعدادًا لشهر تكثر فيه الولائم والعزائم.

كما تحرص كثير من العائلات على شراء كميات من الحبوب والدقيق والسمن والعسل، وهي مكونات أساسية في المطبخ اليمني خلال رمضان.
في بعض المناطق الجبلية والريفية، اعتاد السكان إشعال النيران فوق المرتفعات إيذانًا بقدوم الشهر، في مشهد احتفالي يعكس الفرح الجماعي.
أما المساجد، فتشهد حركة نشطة من حيث التنظيف والتزيين، وتُضاء بالفوانيس والمصابيح، لتتهيأ لاستقبال المصلين في صلاة التراويح والقيام.
للأطفال في اليمن حضور خاص خلال رمضان، إذ يجوبون الأحياء مرددين الأهازيج الترحيبية بالشهر الكريم.
تتردد أصواتهم في الحارات القديمة، في مشهد يعيد للأذهان صورة رمضان البسيطة المليئة بالدفء.

وغالبًا ما يحصل الأطفال على بعض الحلوى أو النقود الرمزية من الجيران، فيتعزز لديهم الشعور بالمشاركة والانتماء للمجتمع.
هذه الأهازيج ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي جزء من التراث الشفهي اليمني، تحفظها الذاكرة الشعبية وتتناقلها الأجيال، لتبقى شاهدة على استمرارية العادات رغم تغير الظروف.
مع اقتراب وقت المغرب، تنشط الأسواق الشعبية بشكل لافت، تزدحم المحال بالمتسوقين الباحثين عن مستلزمات الإفطار والسحور، وتفوح روائح التوابل والقهوة اليمنية في الأرجاء. تُعرض التمور بمختلف أنواعها، إلى جانب الحبوب والبقوليات والخضروات الطازجة.

الأسواق في رمضان ليست مجرد أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات اجتماعية يلتقي فيها الناس، ويتبادلون التحيات والتهاني، ويشعرون بأنهم جزء من مشهد رمضاني واسع تتداخل فيه العبادة بالحياة اليومية.
تتميّز المائدة اليمنية في رمضان بتنوع أطباقها وثرائها بالنكهات.

ومن أبرز الأطباق التي لا تكاد تخلو منها مائدة إفطار:
إلى جانب هذه الأطباق، تحضر أطعمة أخرى مثل “العصيد” و“الفحسة” و“السلتة”، وإن كانت الأخيرة أكثر حضورًا في الأيام العادية، لكنها لا تغيب تمامًا عن بعض الموائد الرمضانية.

لا تكتمل مائدة الإفطار دون المشروبات التقليدية، وأشهرها قمر الدين والتمر الهندي، إضافة إلى مشروبات محلية تعتمد على الزبيب أو الشعير. كما تحظى القهوة اليمنية بمكانة خاصة بعد الإفطار، إذ تُقدَّم في المجالس مصحوبة بالتمر أو الحلويات الشعبية.
وجبة السحور في اليمن تميل إلى البساطة، لكنها مشبعة ومغذية. يعتمد كثير من اليمنيين على الخبز البلدي مع الفول أو البيض، أو اللبن والعسل. كما يُعد “الشفوت” خيارًا مفضلًا في السحور أيضًا، نظرًا لخفته وسهولة هضمه.

في بعض المناطق، يجوب المسحراتي الشوارع قبيل الفجر، مناديًا الناس للسحور بعبارات تقليدية تحمل طابعًا شعبيًا مميزًا، في مشهد يعكس روح الترابط المجتمعي.
بعد صلاة التراويح، تتجه الأنظار إلى المجالس الرمضانية، حيث يجتمع الرجال في المساجد أو البيوت لتلاوة القرآن وتبادل الأحاديث الدينية والثقافية. كما تُقام دروس علمية ومحاضرات وعظية، تسهم في تعزيز الوعي الديني

أما النساء، فيجتمعن كذلك في جلسات عائلية يتبادلن فيها الأحاديث، ويتشاركن إعداد الحلويات، وسط أجواء يسودها الأنس والسكينة.
يتجلى في رمضان باليمن معنى التكافل بأبهى صوره. تحرص العائلات الميسورة على توزيع الصدقات وزكاة الفطر، وتُقام موائد لإفطار الصائمين في المساجد والأحياء.
كما تُجهَّز سلال غذائية توزَّع على الأسر المحتاجة، في مبادرات فردية وجماعية تعكس روح التعاون.
هذا البعد الاجتماعي يمنح رمضان في اليمن طابعًا إنسانيًا عميقًا، حيث يشعر الجميع بأنهم شركاء في الخير، وأن الشهر فرصة لإعادة ترميم الروابط الاجتماعية.
مع اقتراب نهاية الشهر، تمتزج مشاعر الحزن على وداع أيام الرحمة، بالفرح بقرب عيد الفطر. تبدأ العائلات في شراء الملابس الجديدة للأطفال، وتحضير الحلويات التقليدية مثل “الكعك” و“المعمول”، إضافة إلى “بنت الصحن” التي تظل حاضرة في المناسبات.
تُزيَّن البيوت، وتُرتَّب المجالس لاستقبال الزوار في أيام العيد، حيث تتعزز صلة الرحم، وتُجدَّد أواصر المحبة بين الأقارب والجيران.
رغم التحديات التي مرّت بها البلاد في السنوات الأخيرة، يبقى رمضان في اليمن مساحة للأمل وتجديد الروح. فالعادات والتقاليد المتوارثة لم تندثر، بل ما زالت حية في البيوت والأسواق والمساجد، تؤكد أن الهوية الثقافية أقوى من الظروف.

إن رمضان في اليمن ليس مجرد شهر صيام، بل تجربة اجتماعية وروحية متكاملة، تتجلى فيها القيم الأصيلة للمجتمع اليمني: الكرم، والتراحم، والتعاون. وبين مائدة الإفطار العامرة، وأصوات الأطفال في الأزقة، ومجالس الذكر العامرة بالقرآن، يظل الشهر الكريم مناسبة تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الناس فرصة للصفاء والتقارب.
هكذا يظل رمضان في اليمن لوحة نابضة بالحياة، تتوارثها الأجيال، وتحمل في تفاصيلها ملامح شعب متمسك بجذوره، ومؤمن بأن في هذا الشهر سرًّا خاصًا يجمع القلوب على المحبة والإيمان.