يدخل التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة أكثر حساسية، مع تصاعد التحذيرات الأمريكية من تسارع وتيرة التوسع في الترسانة النووية الصينية، بما قد يقود – وفق تقديرات واشنطن – إلى تحقيق مستوى من التكافؤ النووي خلال أربع أو خمس سنوات.
هذا التطور لا يعكس مجرد سباق تسلح تقليدي، بل يشير إلى تحول عميق في توازنات الردع العالمي، في ظل انهيار أو تجميد عدد من اتفاقيات الحد من الأسلحة التي شكلت لعقود إطارًا ضابطًا للتنافس بين القوى الكبرى.
اتهامات أمريكية وتصعيد دبلوماسي
اتهم مسؤولون أمريكيون بكين ببناء قدراتها النووية "من دون قيود" وبمستويات منخفضة من الشفافية، معتبرين أن هذا التوسع غير المسبوق يهدد الاستقرار الإستراتيجي العالمي. وخلال مؤتمر لنزع السلاح في جنيف، جدد كريستوفر يو، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الحد من التسلح، اتهامات بلاده للصين، مشيرًا إلى معلومات تفيد بإجراء اختبار نووي محدود غير معلن عام 2020.
ووفق الرواية الأمريكية، استندت هذه الاتهامات إلى بيانات زلزالية رصدتها محطة تابعة للأمم المتحدة في كازاخستان في يونيو 2020، قالت واشنطن إنها قد تشير إلى تفجير نووي صغير في موقع لوب نور بإقليم شينجيانج، غير أن هيئة المراقبة الدولية اعتبرت النتائج "ملتبسة"، فيما نفت بكين بشكل قاطع إجراء أي اختبار يشكل خرقًا لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
أرقام تكشف الفجوة القائمة
تشير تقديرات مستقلة إلى أن الصين تمتلك نحو 600 رأس نووي، وتنتج قرابة 100 رأس سنويًا، في حين تحتفظ الولايات المتحدة وروسيا بترسانات أكبر بكثير.
وتُظهر بيانات عام 2025 امتلاك روسيا نحو 4300 رأس نووي، مقابل نحو 3700 للولايات المتحدة، بينما لا تزال الصين بعيدة عدديًا عن هذين الرقمين.
لكن القلق الأمريكي لا يرتبط فقط بعدد الرؤوس النووية، بل بوتيرة النمو السريعة، إضافة إلى بناء صوامع إطلاق جديدة وتطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات وغواصات قادرة على حمل رؤوس نووية.
ويرى خبراء أن استمرار هذا المعدل من التوسع قد يقلص الفجوة بصورة ملحوظة خلال أقل من عقد.
معاهدة نيو ستارت ونهاية مرحلة
شكلت معاهدة "نيو ستارت" بين واشنطن وموسكو أحد آخر أعمدة منظومة الحد من التسلح النووي، إذ فرضت قيودًا على عدد الرؤوس النووية المنشورة ووسائل إطلاقها. غير أن انتهاء العمل بها هذا الشهر – في ظل التوترات المتصاعدة بين الغرب وروسيا – ترك فراغًا قانونيًا خطيرًا.
وتنتقد واشنطن المعاهدة من زاوية أنها لم تشمل الصين، معتبرة أن أي إطار مستقبلي للحد من التسلح يجب أن يضم القوى النووية الكبرى الثلاث. من جهتها، ترى بكين أن مطالبتها بالانضمام إلى اتفاق مماثل "على قدم المساواة" مع الولايات المتحدة وروسيا أمر غير منطقي، نظرًا للفارق الكبير في حجم الترسانات.
تحول في العقيدة العسكرية الصينية
يمثل التوسع النووي الصيني انعكاسًا لتحول أعمق في العقيدة العسكرية. ففي عهد ماو تسي تونج، اعتُبر السلاح النووي "نمرًا من ورق"، وكان الهدف امتلاك حد أدنى من الردع.
أما في عهد الرئيس شي جين بينج، فقد شهد الجيش الصيني عملية تحديث شاملة، تشمل تطوير الصواريخ فرط الصوتية، والغواصات النووية، والطائرات المسيرة، إلى جانب تعزيز القدرات السيبرانية والفضائية.
ويبدو أن بكين تسعى إلى بناء "ثالوث نووي" مكتمل – بري وبحري وجوي – يعزز قدرتها على الردع ويمنحها مرونة أكبر في حال نشوب صراع محتمل، خصوصًا في محيطها الإقليمي، مثل بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان.
حسابات الردع والمخاطر الإستراتيجية
يرى محللون أن الصين لا تسعى بالضرورة إلى التفوق العددي على الولايات المتحدة، بل إلى ضمان قدرة ردع موثوقة تحول دون تعرضها لأي ضغوط عسكرية مباشرة.
غير أن زيادة عدد الرؤوس النووية وتوسيع قدرات الإطلاق قد تدفع واشنطن إلى تعزيز برامجها التحديثية، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد.
وتشير تقديرات عسكرية أمريكية إلى أن بكين تبني مئات الصوامع الجديدة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، في خطوة قد تعقّد حسابات الدفاع الصاروخي الأمريكي.
كما أن إدخال تقنيات متقدمة مثل المركبات الانزلاقية فرط الصوتية يقلل من فعالية أنظمة الإنذار المبكر والدفاع التقليدية.
موقف بكين ودعوة إلى التفاوض
ترفض الصين الاتهامات الأمريكية، وتؤكد أن سياستها النووية تقوم على "عدم البدء باستخدام السلاح النووي" وأنها تحافظ على ترسانة "في الحد الأدنى اللازم للردع".
كما دعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتوقع أن يزور بكين قريبًا، إلى التفاوض بشأن اتفاق جديد للحد من التسلح يشمل جميع الأطراف.
وترى بكين أن واشنطن تتحمل مسؤولية خاصة في نزع السلاح النووي بحكم امتلاكها ترسانة ضخمة، وأن مطالبة الصين بتجميد برنامجها في هذه المرحلة يكرّس اختلالًا قائمًا في ميزان القوى.
تداعيات إقليمية ودولية
لا يقتصر أثر هذا التصعيد على العلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين، بل يمتد إلى الحلفاء والشركاء في آسيا وأوروبا.
فاليابان وكوريا الجنوبية تراقبان التطورات بقلق، فيما قد تدفع المخاوف من تغير ميزان الردع بعض الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية.
كما أن انهيار منظومة الحد من التسلح يضعف الثقة الدولية في الاتفاقيات متعددة الأطراف، ويزيد من احتمالات سوء التقدير في أوقات الأزمات. ففي ظل غياب آليات شفافة للتحقق وتبادل المعلومات، تصبح الشكوك المتبادلة عاملًا إضافيًا لعدم الاستقرار.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تتراوح السيناريوهات المحتملة بين مسارين رئيسيين: الأول، تصاعد سباق تسلح نووي متعدد الأطراف، في ظل غياب قيود قانونية ملزمة، والثاني، التوصل إلى إطار تفاوضي جديد يضم الولايات المتحدة وروسيا والصين، وربما قوى نووية أخرى.
غير أن تحقيق السيناريو الثاني يتطلب إرادة سياسية وتنازلات متبادلة، في وقت تتشابك فيه ملفات الخلاف بين واشنطن وبكين، من التجارة والتكنولوجيا إلى تايوان وحقوق الإنسان.
خلاصة المشهد
يبدو أن صراع "الرؤوس النووية" بين الولايات المتحدة والصين لم يعد مجرد احتمال نظري، بل أصبح واقعًا يتشكل بوتيرة متسارعة.
وبينما تؤكد بكين تمسكها بعقيدة الردع المحدود، ترى واشنطن أن وتيرة التوسع الصيني تفرض إعادة تقييم شاملة لإستراتيجيتها النووية.
وفي ظل بيئة دولية تتسم بتآكل الاتفاقيات الضابطة وارتفاع منسوب عدم الثقة، يصبح خطر الانزلاق إلى سباق تسلح جديد أكثر واقعية من أي وقت مضى، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان العالم سيتجه نحو منظومة توازن جديدة، أم إلى مرحلة أكثر اضطرابًا في تاريخ الردع النووي.