في تطور لافت يعكس أهمية القرن الأفريقي في حسابات القوى الدولية، أعلنت الحكومة الفيدرالية في الصومال استعدادها لتجديد اتفاقية تتيح للولايات المتحدة الأمريكية استخدام الموانئ والمطارات الصومالية لأغراض عسكرية، في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية وأمنية تتجاوز الإطار الثنائي بين البلدين.
وجاء العرض الصومالي ردًا على تحركات مماثلة من إقليم أرض الصومال الانفصالي، الذي يسعى إلى تعزيز علاقاته الخارجية بشكل مستقل عن الحكومة المركزية في مقديشو، ما يضع الملف في سياق تنافس سياسي داخلي يتقاطع مع حسابات إقليمية ودولية.
وقال وزير الدولة للشئون الخارجية في الحكومة الصومالية، علي محمد عمر بلعد، إن العلاقات بين الصومال والولايات المتحدة تستند إلى إطار تعاون طويل الأمد، مشيرًا إلى اتفاقية موقعة عام 1980 تسمح للقوات الأمريكية بالوصول إلى الموانئ والمطارات الصومالية لأغراض عسكرية.
وأكد المسؤول الصومالي أن الحكومة الفيدرالية عرضت مؤخرًا تجديد هذه الاتفاقية، معتبرًا أنها «القناة المناسبة والقانونية لأي تعاون أمني» بين الجانبين، في إشارة واضحة إلى تمسك مقديشو بدورها الحصري في إدارة الشراكات الدفاعية والعسكرية مع الدول الأجنبية.
تكتسب الصومال أهمية خاصة في الاستراتيجية الأمريكية بسبب موقعها الجغرافي المطل على مدخل البحر الأحمر وبالقرب من اليمن، ما يجعلها نقطة ارتكاز حيوية لمراقبة حركة الملاحة الدولية ومكافحة التهديدات الأمنية في المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها العسكري والاستخباراتي في القرن الأفريقي، مدفوعة بتصاعد التحديات المرتبطة بالإرهاب والقرصنة، إضافة إلى التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في هذه المنطقة الحيوية.
تركز التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والصومال في العقود الأخيرة على دعم الجهود الرامية إلى مواجهة الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، فضلًا عن عناصر تنظيم داعش الناشطة في بعض المناطق.
وقد نفذت القوات الأمريكية، بالتنسيق مع الجيش الصومالي، عمليات نوعية استهدفت قيادات ومواقع تابعة لهذه التنظيمات، ضمن استراتيجية تهدف إلى تقويض قدراتها ومنعها من تهديد الاستقرار الداخلي والإقليمي.

يأتي عرض الحكومة الصومالية في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، سواء على مستوى التوازنات الإقليمية أو على صعيد التنافس الدولي بين القوى الكبرى. كما يعكس سعي مقديشو إلى تثبيت شرعيتها في إدارة الملفات السيادية، خاصة في مواجهة التحركات المنفردة من بعض الأقاليم.
ويرى مراقبون أن تجديد الاتفاقية – في حال إقراره رسميًا – قد يعزز من مستوى التنسيق العسكري بين الصومال والولايات المتحدة، لكنه في الوقت ذاته قد يثير حساسيات داخلية وإقليمية، نظرًا لتشابك المصالح في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي ظل استمرار التهديدات الأمنية، يبقى التعاون العسكري بين الصومال والولايات المتحدة أحد أبرز ركائز الاستراتيجية الأمنية في المنطقة، وسط ترقب لمآلات هذا العرض الصومالي وما إذا كان سيفضي إلى اتفاق محدث يعيد رسم ملامح الشراكة الدفاعية بين البلدين.