دراسات وأبحاث

الانسحاب من قسرك.. هل بداية نهاية الوجود العسكري الأمريكي في سوريا؟

الإثنين 23 فبراير 2026 - 03:07 م
نرمين عزت
الأمصار

في لحظة مفصلية من مسار الصراع السوري، جاء انسحاب القوات التابعة لـ الولايات المتحدة من قاعدة قسرك في ريف الحسكة ليطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وحدود التحول في الاستراتيجية الأمريكية تجاه واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط تعقيدًا. 

فالقاعدة التي شكّلت لسنوات نقطة ارتكاز رئيسية للعمليات الأمريكية في شمال شرق سوريا، لم تكن مجرد موقع عسكري، بل رمزًا لنفوذ سياسي وأمني واسع ارتبط بمحاربة الإرهاب، وإدارة توازنات دقيقة بين قوى محلية وإقليمية ودولية. ومع بدء تفكيك هذا الوجود، تتكشف ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ، وتفتح الباب أمام تحولات استراتيجية تتجاوز حدود قاعدة قسرك، لتطال مجمل المشهد السوري ومستقبل الصراع فيه.

الانسحاب أو تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا ليس قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة مجموعة عوامل سياسية وعسكرية واستراتيجية تراكمت خلال السنوات الماضية.

وقد دخلت الولايات المتحدة سوريا أساسًا منذ عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.
ومع هزيمة التنظيم عسكريًا وخسارته لمعظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، ترى واشنطن أن المهمة الأساسية التي برّرت وجودها العسكري قد أُنجزت إلى حد كبير، ولم يعد هناك مبرر لانتشار واسع وطويل الأمد.

 انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة “قسرك” في سوريا

قاعدة قسرك تقع في ريف محافظة الحسكة شمال-غرب سوريا، باتجاه الطريق الدولي M4 الذي يربط شمال سوريا بمحافظات كـ حلب وإدلب واللاذقية.  

شكّلت قاعدة قسرك واحدة من أهم نقاط الارتكاز العسكري للقوات التابعة لـ الولايات المتحدة في شمال شرق سوريا، ليس فقط من حيث الموقع الجغرافي، ولكن أيضًا من حيث الدور العملياتي الذي أدته ضمن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. فمنذ تثبيت القاعدة بشكل فعلي في أعقاب توسع العمليات ضد تنظيم داعش، تحولت قسرك إلى مركز عسكري متكامل يخدم أهدافًا أمنية وسياسية متعددة.

من حيث حجم القوات.. لم تكن قاعدة قسرك تضم أعدادًا ضخمة مقارنة بقواعد أمريكية تقليدية في مناطق أخرى من العالم، إلا أنها احتوت على وحدات نوعية عالية التدريب، شملت عناصر من القوات الخاصة، وضباط استخبارات، وخبراء لوجستيين، إضافة إلى فرق دعم فني وتقني. هذا التكوين يعكس طبيعة المهمة الأمريكية في سوريا، القائمة على “التدخل المحدود عالي التأثير”، بدل الانتشار العسكري الكثيف.

أما من ناحية التجهيزات العسكرية.. فقد ضمت القاعدة مدارج لهبوط الطائرات المروحية، ونقاط مراقبة محصّنة، ومخازن أسلحة وذخيرة، إلى جانب أنظمة اتصالات متقدمة ومعدات استطلاع ورصد. كما استُخدمت القاعدة كمركز تنسيق جوي لتوجيه الطائرات المسيّرة والطائرات الحربية خلال العمليات ضد خلايا داعش في البادية السورية ومحيط نهر الفرات.

وعلى مستوى المهام الأساسية.. أدت القوات الأمريكية في قسرك ثلاثة أدوار رئيسية. الدور الأول تمثل في قيادة وتنسيق العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، سواء عبر الدعم الجوي أو عبر التخطيط الاستخباراتي. الدور الثاني كان تدريب ودعم قوات محلية، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية، من خلال برامج تدريب عسكرية وأمنية، وتوفير السلاح والمشورة الميدانية. أما الدور الثالث فكان سياسيًا–أمنيًا غير معلن، تمثل في مراقبة تحركات الأطراف المنافسة، لا سيما القوات السورية وحلفائها، وضبط التوازنات في منطقة غنية بالموارد الطبيعية.
كما لعبت قاعدة قسرك دورًا مهمًا في حماية طرق الإمداد الأمريكية بين شمال شرق سوريا والعراق، حيث شكّلت حلقة وصل لوجستية في نقل الجنود والمعدات عبر الحدود، وهو ما منحها أهمية إضافية داخل شبكة القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

ورغم هذا الدور المحوري.. ظل الوجود الأمريكي في القاعدة محاطًا بتحديات مستمرة، أبرزها الهجمات غير المباشرة بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ، والضغط السياسي المتزايد داخل الولايات المتحدة لإنهاء التواجد العسكري في سوريا، إضافة إلى تعقيدات المشهد الميداني وتعدد القوى المتنافسة على الأرض.

ماذا يحدث حاليًا في قاعدة “قسرك”؟

منذ 21 فبراير 2026 بدأت القوات الأمريكية عملية إخلاء القاعدة ونقل المعدات والعتاد العسكري.  

وصلت قوافل عسكرية أمريكية من العراق عبر معبر الوليد لنقل المعدات غربًا، وبدأت عملية شحنها تمهيدًا لسحبها خارج سوريا.  

شهدت العمليات نقل تعداد من الآليات الثقيلة واللوجستيات العسكرية باتجاه إقليم كردستان العراق.  

العملية جزء من خطة انسحاب أوسع للقوات الأمريكية من مواقعها في شمال وشرق سوريا.  

القوات الأمريكية قامت خلال الأيام والأسابيع الماضية بسحبها من عدة قواعد مهمة، وهي خطوة استراتيجية كبيرة:

قاعدة التنف

انسحبت القوات الأمريكية بالكامل من قاعدة التنف عند مثلث الحدود بين سوريا والأردن والعراق، وسلمت السيطرة إلى الجيش السوري، بعد تنسيق بين الطرفين.  

قاعدة الشدادي

القوات الأمريكية أنهت وجودها في قاعدة الشدادي قرب الحسكة بعد عملية انسحاب دامت أكثر من 10 أيام، ثم سلمتها للجيش السوري بعد تنسيق مباشر.  

قاعدة القرية الخضراء وحقل الفرات

تم إغلاق بعض المواقع العسكرية الأخرى في شرقي سوريا خلال 2025 وتسليمها إلى شركاء محليين.  

 لماذا الانسحاب الآن؟
الانسحاب ليس عشوائيًا، بل جزء من خطة استراتيجية تشمل: تحقيق “الأهداف العسكرية”؛ حيث كان الوجود الأمريكي في سوريا يهدف أساسًا إلى: محاربة تنظيم داعش، ودعم شركاء محليين مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
لكن مع تراجع نشاط التنظيم والسيطرة عليه، استطاعت دمشق استعادة مناطق واسعة، ما جعل واشنطن تعيد تقييم الحاجة لبقاء قواتها على الأرض.  

كما أن زيارة الرئيس السوري الجديد العلاقات مع واشنطن بدأت تشهد تغيّرًا في شكلها؛ يبدو أن التنسيق العسكري والسياسي بين دمشق وواشنطن بدأ في بعض المجالات، ما يسهّل عمليات النقل والتسليم.  

 إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية
الولايات المتحدة تواجه أولويات أخرى مثل: المنافسة مع الصين، والتوتر مع روسيا، ولتجنب تدخّل عسكري طويل في مناطق متعددة.

كما أن انتقال السيطرة إلى الحكومة السورية،؛ مثل تسلم الجيش السوري قواعد تمّ الانسحاب منها بعد تنسيق مسبق، هو مؤشر على تغيّر كبير في الخريطة الأمنية السورية.  

وختاما.. الانسحاب الأمريكي من سوريا لا يعني نهاية النفوذ الأمريكي بالكامل، بل يعكس إعادة ترتيب أولويات واشنطن، والاكتفاء بوجود محدود ورمزي، والتركيز على ملفات دولية أكثر أهمية
بينما تظل سوريا ساحة مفتوحة لتوازنات إقليمية ودولية معقدة، في ظل غياب حل سياسي شامل حتى الآن.