في عملية وُصفت بأنها من أقسى الضربات التي تتلقاها شبكات الاتجار بالمخدرات في المكسيك منذ سنوات، قُتل نيميسيو أوسيجيرا سيرفانتس، المعروف بلقب “إل مينشو”، زعيم كارتل خاليسكو الجيل الجديد، خلال مداهمة نفذتها قوات فيدرالية مكسيكية بدعم استخباراتي أمريكي، وفق ما أفاد به مسؤولون في البلدين.
بحسب مصادر أمنية أمريكية، شارك فريق استخباراتي متخصص في مكافحة عصابات المخدرات في دعم العملية عبر تبادل معلومات تقنية وتتبع تحركات القيادي المطلوب، في إطار تعاون وثيق بين مكسيكو وواشنطن.
وكانت الولايات المتحدة قد أدرجت أوسيجيرا على قائمة أبرز المطلوبين، وعرضت مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات تقود إلى اعتقاله.
العملية التي نُفذت في ولاية خاليسكو، غربي البلاد، أعقبها اندلاع أعمال عنف وقطع طرق في مدينة زابوبان ومناطق محيطة، ما دفع حاكم الولاية إلى دعوة السكان إلى البقاء في منازلهم وتعليق خدمات النقل العام مؤقتاً إلى حين استعادة السيطرة الأمنية.
وُلد نيميسيو أوسيجيرا عام 1966 في ولاية ميتشواكان، وعمل في شبابه شرطياً محلياً قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أُوقف لاحقاً بتهم تتعلق بالمخدرات، ورُحّل إلى المكسيك.
هناك، صعد سريعاً داخل شبكات الجريمة المنظمة، مستفيداً من خبرته وعلاقاته، قبل أن يؤسس عام 2009 تنظيمه الخاص بعد انشقاقات داخل كارتلات قائمة.
تحت قيادته، تحوّل كارتل خاليسكو الجيل الجديد إلى أحد أقوى التنظيمات الإجرامية في البلاد، منافساً تقليدياً لـ كارتل سينالوا. وتميّز الكارتل ببنية شبه عسكرية، واستخدام أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة، إضافة إلى تجنيد عناصر تلقوا تدريبات قتالية متقدمة.

وفق تقارير صادرة عن وزارة العدل الأمريكية ووكالات مكافحة المخدرات، لعب التنظيم دوراً محورياً في تهريب الكوكايين من كولومبيا عبر مسارات تمر بالإكوادور وأمريكا الوسطى وصولاً إلى سواحل المحيط الهادئ في المكسيك، مستخدماً زوارق سريعة وغواصات بدائية الصنع. كما توسع نشاطه في إنتاج وتهريب الميثامفيتامين والفنتانيل إلى السوق الأمريكية، ما جعله هدفاً رئيسياً للسلطات.
ولم يقتصر نشاط الكارتل على المخدرات، بل امتد إلى تهريب الوقود، والابتزاز، وفرض الإتاوات، والاتجار بالبشر، والسيطرة على مناجم غير قانونية، فضلاً عن شبكات لتهريب الأسلحة.
كانت واشنطن قد صنفت التنظيم ضمن أخطر شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وفرضت عليه وعلى قياداته عقوبات مالية واسعة، في إطار جهود لمكافحة تدفق المخدرات، لا سيما الفنتانيل، الذي تسبب في أزمة صحية حادة داخل الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
وتشير بيانات رسمية أمريكية إلى أن كارتل خاليسكو كان من أبرز المساهمين في إمداد السوق الأمريكية بالمواد الأفيونية الصناعية، ما ضاعف الضغط السياسي على الحكومات المتعاقبة في المكسيك لتعزيز التعاون الأمني.

يأتي مقتل “إل مينشو” في وقت تكثف فيه الحكومة المكسيكية تعاونها مع الولايات المتحدة في مواجهة الكارتلات، وسط تحذيرات أمريكية متكررة من اتخاذ خطوات أكثر صرامة إذا لم يتم كبح نفوذ العصابات.
ويرى محللون أن غياب الزعيم التاريخي قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية على خلافته، أو موجة عنف انتقامية، خصوصاً أن التنظيم يمتلك خلايا مسلحة واسعة الانتشار في عدة ولايات مكسيكية.

سبق أن أوقفت السلطات المكسيكية شقيقه أنطونيو أوسيجيرا، المعروف بلقب “توني مونتانا”، كما سُلّم عدد من قيادات الصف الثاني إلى الولايات المتحدة. وفي العام الماضي، صدر حكم بالسجن المؤبد في أمريكا بحق أحد أبناء “إل مينشو” بعد إدانته بتهم تتعلق بالاتجار الدولي بالمخدرات.
وبمقتل أوسيجيرا، تُطوى صفحة أحد أبرز وجوه الجريمة المنظمة في المكسيك خلال العقدين الأخيرين، لكن التحدي الأكبر يبقى في ما إذا كانت هذه الضربة ستُضعف فعلياً شبكات الاتجار، أم أنها ستعيد تشكيلها في صورة أكثر تعقيداً.