تشهد سوق الذهب في مصر حالة من الترقب والحذر خلال الربع الأول من عام 2026، بعد موجة ارتفاعات قياسية أعقبتها حركة تصحيح ملحوظة. وبينما يظل الذهب ملاذًا آمنًا تقليديًا للمصريين في أوقات عدم اليقين، فإن التداخل المعقد بين العوامل العالمية والمحلية يجعل قراءة المشهد الحالي أكثر صعوبة، خاصة في ظل التذبذبات الحادة التي شهدتها الأسواق الدولية مطلع العام.
ارتفاعات قياسية أعقبها تصحيح
بدأ عام 2026 بقفزة قوية في أسعار الذهب بالسوق المصرية، إذ ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 – وهو الأكثر تداولًا في مصر – من نحو 5820 جنيهًا في الأول من يناير إلى 7176 جنيهًا في 28 يناير، بنسبة زيادة قاربت 23%. غير أن هذه المستويات لم تدم طويلًا، حيث دخلت الأسعار في موجة تصحيح هابطة لتسجل نحو 6540 جنيهًا للجرام حتى منتصف فبراير.
ورغم هذا التراجع، فإن الأسعار لم تعد إلى مستويات ما قبل الصعود الحاد، ما يعكس استمرار حالة الدعم القوي للذهب سواء من العوامل العالمية أو المحلية. وقد تزامن هذا التصحيح مع تحسن نسبي في سعر صرف الجنيه أمام الدولار، إضافة إلى تراجع سعر الأونصة عالميًا بعد موجة بيع واسعة.
تذبذب عالمي ينعكس محليًا
تأثرت أسعار الذهب عالميًا بتحركات استثنائية خلال الأسابيع الأولى من العام. فقد ارتفع سعر الأونصة إلى ما يتجاوز 5300 دولار في نهاية يناير، قبل أن يتراجع إلى نطاق يتراوح بين 4700 و5000 دولار خلال فبراير، مع تحركات صعود وهبوط متقاربة.
ويرتبط هذا التراجع العالمي بحالة اضطراب في أسواق الأسهم، خاصة أسهم التكنولوجيا، التي تعرضت لضغوط بيعية حادة نتيجة مخاوف المستثمرين بشأن العوائد المتوقعة من استثمارات الذكاء الاصطناعي. ومع تكبد هذه الأسهم خسائر ضخمة، لجأ بعض المستثمرين إلى بيع الذهب لتغطية خسائرهم فيما يُعرف بنداءات الهامش، ما أدى إلى موجة بيع جماعية أثرت في الأسعار.
كما ساهمت التغيرات في سياسات التداول ورفع متطلبات الضمانات وخفض مستويات الرافعة المالية في تقليص السيولة بالسوق، وهو ما أدى إلى تقلبات عنيفة في فترة زمنية قصيرة، قبل أن تبدأ السوق في استيعاب المعطيات الجديدة.
مشتريات البنوك المركزية تدعم الاتجاه الصاعد
رغم التصحيح الأخير، يظل الاتجاه العام للذهب مدعومًا بمشتريات البنوك المركزية حول العالم. فقد واصلت هذه البنوك زيادة احتياطياتها من الذهب خلال عام 2025، وإن بوتيرة أقل من العام السابق، في إطار مساعي تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار.
وتشير التقديرات إلى استمرار هذا الزخم خلال عام 2026، خاصة مع توجه بعض الاقتصادات الكبرى إلى تعزيز احتياطياتها تحوطًا من التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية. ويعد هذا العامل أحد أهم محددات الاتجاه طويل الأجل لسعر الذهب عالميًا، ما ينعكس بدوره على السوق المصرية.
العوامل المحلية وسلوك التجار
لا تتحدد أسعار الذهب في مصر بناءً على السعر العالمي فقط، بل تتداخل معها عوامل محلية مؤثرة، أبرزها سعر صرف الدولار وسلوك التجار والمضاربين. ففي بعض الفترات، يعتمد بعض التجار على ما يُعرف بالدولار التحوطي عند التسعير، وهو سعر تقديري أعلى من الرسمي لضمان القدرة على إعادة استيراد الذهب، ما يضخم أثر أي ارتفاع عالمي.
كما أن السوق المحلية تتسم بحساسية شديدة للتوقعات؛ فمجرد انتشار توقعات بارتفاع الأسعار قد يدفع بعض التجار إلى تقليل المعروض، انتظارًا لمكاسب أكبر، وهو ما يؤدي إلى زيادات تتجاوز أحيانًا الأساسيات الفعلية المرتبطة بالسعر العالمي وسعر الصرف.
إضافة إلى ذلك، يلعب نشاط المضاربة دورًا محوريًا في تعميق التقلبات قصيرة الأجل، خاصة في ظل اعتبار شريحة واسعة من المصريين الذهب أداة ادخار وحماية من التضخم، وليس مجرد سلعة للزينة. وقد أدى تزايد الإقبال على شراء السبائك والجنيهات الذهبية، مقارنة بالمشغولات، إلى تعزيز هذا الاتجاه.
توقعات الربع الأول: تأرجح معتدل
تشير المعطيات الحالية إلى أن سوق الذهب في مصر ستشهد حالة من التأرجح المعتدل حتى نهاية الربع الأول من عام 2026. فمن المرجح أن تتحرك الأسعار في نطاق ضيق نسبيًا، مع احتمالات صعود وهبوط محدودين، دون تسجيل قمم تاريخية جديدة أو انهيارات حادة.
ويرتبط هذا السيناريو بتوقعات بقاء سعر الأونصة عالميًا بالقرب من مستوى 5000 دولار، مع تحركات طفيفة أعلى أو أسفل هذا المستوى. وإذا استمرت حالة التوازن النسبي بين قوى البيع والشراء عالميًا، فمن المرجح أن ينعكس ذلك في صورة استقرار نسبي بالسوق المحلية.
الربع الثاني: تأثير موسمي واجتماعات الفيدرالي
مع اقتراب موسم عيد الفطر، الذي يرتبط تقليديًا بزيادة حفلات الخطوبة والزواج، يتوقع أن يشهد الطلب المحلي على الذهب ارتفاعًا موسميًا، ما قد يدعم الأسعار في نهاية الربع الأول وبداية الربع الثاني.
غير أن هذا الارتفاع المحتمل قد يظل محدودًا، خاصة إذا اتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى خفض أسعار الفائدة خلال اجتماعاته المقبلة في مايو ويونيو ويوليو. ففي حال تراجع الفائدة، قد يتعرض الذهب لضغوط بيعية مؤقتة عالميًا، ما قد يحد من أي صعود محلي قوي.
النصف الثاني من العام: سيناريوهات أكثر صعودًا
يحمل النصف الثاني من عام 2026 سيناريوهات أكثر تفاؤلًا لسوق الذهب، خاصة إذا تجددت التوترات الجيوسياسية أو تفاقمت المخاطر الاقتصادية العالمية. ففي مثل هذه الظروف، يزداد الإقبال على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
وتتوقع بعض المؤسسات المالية العالمية إمكانية وصول سعر الأونصة إلى مستويات قياسية بنهاية العام، وهو ما قد ينعكس على السوق المصرية في صورة زيادات ملحوظة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع ضغوط على سعر الصرف محليًا.
قراءة شاملة للمشهد
في ضوء ما سبق، يتضح أن مستقبل سوق الذهب في مصر خلال عام 2026 سيتحدد وفق تفاعل مركب بين العوامل الدولية والمحلية. فبينما تظل الاتجاهات العالمية المحرك الرئيسي للأسعار، فإن خصوصية السوق المصرية، من حيث سلوك المتعاملين وحساسية التسعير لتحركات الدولار، قد تضخم من أثر هذه الاتجاهات أو تخفف حدتها.
وعليه، فإن الاتجاه العام المرجح خلال الأشهر المقبلة يميل نحو الاستقرار عند مستويات مرتفعة مع ميل صعودي تدريجي، لكن مع استمرار تقلبات أعلى من المعتاد. وهو ما يستدعي من المستثمرين والأفراد متابعة دقيقة للتطورات العالمية، وقراءة متأنية للمتغيرات المحلية قبل اتخاذ قرارات الشراء أو البيع.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبقى الذهب أحد أبرز أدوات التحوط في الاقتصاد المصري، لكنه لم يعد بمنأى عن التقلبات السريعة التي تفرضها الأسواق العالمية، ما يجعل التعامل معه يتطلب قدرًا أكبر من الوعي وإدارة المخاطر.