رمضان في الأمصار

رمضان في تونس.. عادات ضاربة في الجذور ومائدة تراثية تعكس روح المجتمع

الأحد 22 فبراير 2026 - 05:16 م
ابراهيم ياسر
الأمصار

مع ثبوت هلال شهر رمضان، تتبدّل ملامح الحياة في تونس، حيث يكتسي المشهد العام بطابع روحاني واجتماعي خاص. 

أول أيام رمضان.. مواطنون يشتكون غلاء السلع في تونس

الشوارع تزداد حيوية قبيل المغرب، الأسواق تعجّ بالمتسوقين، وروائح التوابل وزيت الزيتون تعبق في الأحياء القديمة، لا يُنظر إلى رمضان في تونس باعتباره شهر صيام فحسب، بل موسمًا اجتماعيًا وثقافيًا تتجدد فيه العادات، وتُستعاد فيه الأطباق التراثية التي تحمل ذاكرة الأجداد.

في العاصمة تونس، كما في مدن الساحل والجنوب، تبدأ الاستعدادات مبكرًا؛ إذ تُقبل العائلات على اقتناء مستلزمات أساسية مثل القمح المجروش (الفريك)، الحمص، التوابل، اللحوم، والفواكه الجافة. وتحتفظ بعض الأحياء العتيقة بتقليد “المسحراتي” الذي يجوب الشوارع قبيل الفجر، في مشهد يعكس ارتباط المجتمع بروح الشهر الكريم.

مائدة الإفطار… تنوع بطابع متوسطي أصيل

تبدأ لحظة الإفطار بالتمر والحليب، قبل أن تتصدر الشوربة المشهد باعتبارها الطبق الذي لا يغيب عن أي بيت تونسي. وتُعد الشوربة أكثر من مجرد بداية للوجبة؛ فهي تقليد يومي يعكس بساطة المطبخ وعمقه في آنٍ واحد.

أسواق رمضان في تونس تشهد نشاطاً... رغم الغلاء

الشوربة… سيدة المائدة

شوربة الفريك: الطبق الأكثر حضورًا، يُحضَّر من القمح المجروش مع لحم الضأن أو البقر، ويُضاف إليه الحمص والكرفس ومعجون الطماطم، ويُنكَّه بالبهارات والهريسة التونسية. تمتاز بقوامها الكثيف وقيمتها الغذائية العالية.

فطارك عربى.. طاجين خضرة وشوربة فريك والكمونية من تونس - اليوم السابع

شوربة لسان عصفور: بديل أخف يعتمد على عجائن صغيرة تُطهى في مرق متبل، وتُفضله بعض الأسر لسهولة هضمه.

البريك… أيقونة رمضان التونسي

لا تكاد تخلو مائدة إفطار من “البريك”، الذي يُعد أحد أبرز رموز المطبخ التونسي في رمضان. تُستخدم فيه رقائق “الملسوقة” الرقيقة، وتُحشى غالبًا ببيضة كاملة وتونة وبقدونس وبطاطا مهروسة، وأحيانًا يُضاف الكبر (القبار). يُقلى في زيت غزير حتى يكتسب لونًا ذهبيًا مقرمشًا، ويُقدم ساخنًا، فيما يُعد انسياب صفار البيض في أول قضمة علامة مميزة لهذا الطبق.

الكسكسي.. الطبق الوطني في حُلّة رمضانية

يحظى الكسكسي بمكانة استثنائية في الثقافة الغذائية التونسية، ويتخذ في رمضان طابعًا احتفاليًا خاصًا. يُطهى بالبخار في آنية تقليدية، ثم يُقدَّم مع مرق غني ومتعدد النكهات.

كسكسي باللحم والخضار: يُعد الأكثر انتشارًا، ويضم الجزر والبطاطا والقرع والحمص.

كسكسي بالسمك: ينتشر في المدن الساحلية ويعكس الطابع البحري للمطبخ.

كونا : طبق (الكسكسي) يستحوذ على قلوب الجزائريين منذ قديم الزمن - الشؤون  الإجتماعية - 19/08/2014

كسكسي بالعصبان: يُضاف إليه “العصبان” وهو أمعاء خروف محشوة بالأرز والأعشاب والكبد، ويُعتبر من الأطباق الثقيلة التي تُقدم في الليالي الخاصة.

الطاجين التونسي… اختلاف في الاسم والمذاق

على خلاف الطاجين المعروف في بلدان مغاربية أخرى، يُشبه الطاجين التونسي فطيرة سميكة تُخبز في الفرن. يتكون من البيض، الدجاج أو اللحم، الجبن، البطاطا، والبقدونس، ويُقطع إلى مربعات تُقدَّم كطبق رئيسي أو جانبي. ويُعد من الأطباق التي تجمع بين البساطة والتشبع الغذائي.

أطباق تقليدية أخرى تزيّن المائدة

الملوخية التونسية: تختلف عن نظيرتها في المشرق العربي؛ إذ تُطهى لساعات طويلة حتى يصبح لونها داكنًا جدًا، وتُقدَّم غالبًا مع اللحم.

الكسكسي: رحلة لاكتشاف أسرار تحضير سلطان المائدة من 8 دول

المرقة الحلوة: طبق يجمع بين اللحم والفواكه الجافة مثل الزبيب والمشمش، في مزيج يوازن بين الحلو والمالح.

الدولمة: خضروات محشوة بالأرز واللحم، تُقدَّم في التجمعات العائلية.

الحلويات… مذاق الليالي الرمضانية

تزدهر محال الحلويات التقليدية في رمضان، خاصة في المدن التاريخية مثل القيروان التي تُعرف بصناعة “المقروض”، أحد أشهر الحلويات التونسية.

الزلابية والمخارق: تُقلى وتُغمر في القطر، وتنتشر بكثرة في الأسواق الشعبية.

البقلاوة التونسية: تتميز بحشوة مكسرات وفيرة وعسل محلي بنكهة خاصة.

المقروض: يُحشى بالتمر ويُقلى أو يُخبز، ويُعتبر من رموز الضيافة.

كعك الورقة: حلوى تقليدية تعتمد على اللوز المطحون والسكر الناعم، وتُقدَّم في المناسبات الخاصة.

السحور… بساطة تمنح الطاقة

يميل السحور التونسي إلى الخفة مقارنة بالإفطار، إذ يحرص الصائمون على تناول أطعمة تمنحهم طاقة دون إرهاق المعدة. ومن أبرزها:

اللبن الرائب أو الزبادي

البيض

الخبز التقليدي بزيت الزيتون

التمر والفواكه

“المسفوف” وهو كسكسي خفيف يُحضّر بالسكر أو التمر

وفي بعض البيوت، يُعاد تسخين بقايا الكسكسي أو الشوربة، وفق العادات الأسرية.

رمضان تونس... عادات متوارثة تتحدى الأزمات المعيشية

ليالٍ نابضة بالحياة وروابط متجددة

بعد صلاة التراويح، تمتلئ الساحات والمقاهي بالعائلات والشباب، وتُقام سهرات رمضانية ذات طابع إنشادي وثقافي. ويُعد الشهر الكريم مناسبة لتعزيز صلة الرحم والتكافل الاجتماعي، حيث تتبادل الأسر الأطباق فيما بينها، وتُنظم موائد إفطار جماعية للمحتاجين.

ويعكس المطبخ التونسي في رمضان مزيجًا من التأثيرات الأمازيغية والعثمانية والأندلسية، مع حضور قوي لزيت الزيتون والتوابل الحارة التي تمنح الأطباق هويتها المميزة.

رمضان في تونس: سنن وعادات

رمضان… هوية تُطهى كل عام

في المحصلة، لا تُختزل مائدة رمضان في تونس في كونها وجبة يومية، بل هي طقس اجتماعي يعكس روح التضامن والكرم، ويجسّد ارتباط التونسيين بتراثهم. فبين الشوربة والبريك والكسكسي، وبين الزلابية والمقروض، تُروى حكاية شعب يجدّد ذاكرته كل عام على مائدة تجمع بين النكهة والروحانية.